في الإنسان استثمارٌ لا ينتهي للتعليم زمن يمكن حسابه: سنوات تبدأ في موعد وتنتهي في آخر. أما حاجة الإنسان إلى التعلم، فلا تخضع للحدود نفسها. فقد ينتهي المسار الدراسي ويحصل صاحبه على مؤهله، بينما تواصل المهنة التي يستعد لها التغير، وتتبدل الأدوات التي سيستخدمها، وتظهر معارف ومهارات لم تكن جزءًا من تعليمه الأول. وتكشف هذه الفجوة حدود ما تستطيع الشهادة أن تقوله عن صاحبها. فهي توثق مرحلة من التعليم والتأهيل، وتثبت ما تحقق حتى لحظة معينة، بينما يدخل حاملها إلى عالم لا يتوقف عند تلك اللحظة. وهذه هي مفارقتها: إنها تثبت ما أنجزناه، لكنها لا تستطيع أن تضمن ما سنظل قادرين على فعله. فالمؤهل والمعرفة والمهارة والقدرة ليست شيئًا واحدًا، وإن كان بعضها يبني بعضًا. المؤهل يشهد على مسار تعليمي، والمعرفة توسع ما يفهمه الإنسان، والمهارة تتصل بما يستطيع أداءه؛ ثم تأتي الممارسة والخبرة والتعلم اللاحق لتبقي قدرته قابلة للنمو والتكيف. ولعل من أعمق عوائد التعليم ألا يكتفي بأن يعلّم الإنسان، بل أن يزيد قدرته على أن يواصل تعليم نفسه. حين يصبح الإنسان شريكًا في بناء نفسه في السنوات الأولى من حياة الإنسان، يستثمر فيه الآخرون أكثر مما يستطيع أن يستثمر هو في نفسه: الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة، كلٌّ بما يتيحه من رعاية ومعرفة وصحة وفرص. لكن شيئًا مهمًا يتغير مع النضج؛ فالإنسان الذي يتلقى هذا الاستثمار يصبح تدريجيًا قادرًا على أن يكون شريكًا في تنمية قدرته. وهذه خاصية لافتة في الاستثمار في الإنسان: فثماره لا تقتصر على ما يكتسبه من معرفة أو مهارة؛ فقد تمتد إلى زيادة قدرته على اكتساب المزيد منهما. وما يتلقاه في مرحلة من حياته يمكن، مع الوقت، أن يصبح أساسًا يبني فوقه بنفسه. وتصبح هذه الشراكة أكثر أهمية في عالم تتجدد فيه المعرفة وتتغير فيه طبيعة العمل بسرعة. فالتعليم الأولي يستطيع أن يمنح الإنسان أساسًا قويًا، لكنه لا يستطيع أن يتنبأ بكل أداة سيستخدمها، أو مهنة سيمارسها، أو تحول تقني سيواجهه خلال حياته المهنية. وبعض ما نتعلمه يزداد رسوخًا بالممارسة، بينما تحتاج معارف ومهارات أخرى إلى التحديث كلما تغيرت البيئة التي نستخدمها فيها. لذلك لا يعود السؤال فقط: ماذا تعلمت؟ بل أيضًا: ماذا أضفت إلى ما تعلمته؟ وقد غيّرت التقنية شيئًا آخر في هذه المعادلة: حدود المتاح نفسه. فمع الإنترنت والمصادر المفتوحة، ثم أدوات الذكاء الاصطناعي، اتسعت إمكانات الوصول إلى المعرفة والتعلم خارج الأطر التقليدية. لا يعني ذلك أن الفرص أصبحت متساوية، أو أن التقنية ألغت أثر جودة التعليم والدخل والبيئة المحيطة؛ لكنه يعني أن مساحة ما يستطيع الإنسان أن يفعله بما هو متاح له أصبحت أوسع، من غير أن يصبح ذلك عذرًا لإعفاء الدولة أو المؤسسة من مسؤوليتهما. لكن قدرة الإنسان على الاستثمار في نفسه لا تنمو في فراغ، ولا تبدأ مسؤولية الفرد حيث تنتهي مسؤولية الدولة أو المؤسسة. فهذه المسؤوليات تتداخل، وإن تغيرت أوزانها مع مراحل الحياة. لذلك ربما لا يكون السؤال الأجدى: من المسؤول؟ بل: كيف يضيف كل طرف إلى قدرة الإنسان، وأين يمكن أن يهدر طرف ما بناه الآخر؟ في جيبوتي: من المتاح إلى الممكن في جيبوتي، لا يبدأ سؤال بناء القدرة البشرية من فراغ. فقد جعلت خطة التنمية الوطنية «ADEEG 2025–2030» تنمية رأس المال البشري محورًا استراتيجيًا، إلى جانب تحركات في التكوين والمهارات والإدماج المهني. ومع هذه الجهود، يبقى السؤال: إلى أي مدى يتراكم أثرها في قدرة الإنسان نفسه؟ ويمنح أحد مؤشرات سوق العمل هذا السؤال بعدًا إضافيًا. فوفق البنك الدولي، أظهر أول مسح وطني ممثل للقوى العاملة أن قرابة 46% من الشباب بين 16 و24 عامًا كانوا خارج العمل والتعليم والتدريب في بيانات 2025. ولا يخبرنا الرقم وحده لماذا وصلوا إلى هذه الحالة، ولا يصح أن نحوله إلى حكم على الشباب أو على التعليم. لكنه يلفت النظر إلى أن هؤلاء الشباب، عند إجراء المسح، كانوا خارج التعليم والتكوين والعمل؛ وهي مسارات يمكن، بدرجات مختلفة، أن تتيح التعلم أو اكتساب الخبرة. من هذه الزاوية، لا يتطلب تعظيم الأثر دائمًا إضافة برنامج جديد أو مورد جديد؛ فقد يبدأ من زيادة العائد مما هو قائم بالفعل، ومن تحسين الصلة بين التعليم والتكوين والعمل والفرص التي يصنعها الاقتصاد. وفي بلد محدود الموارد، لا يكون حسن استخدام المتاح بديلًا عن توسيعه، لكنه يجعل العائد من الموارد القائمة سؤالًا حاضرًا عند التفكير في استثمارات جديدة. الاستثمار الذي لا ينتهي ربما تكون قيمة الشهادة أكبر حين نفهم حدودها. فهي لا تختصر ما يستطيع الإنسان أن يصبحه، وإنما تثبت مرحلة مهمة مما أصبحه بالفعل. وما يأتي بعدها لا يبدأ من الصفر؛ فما تحقق يصبح أساسًا لما يمكن أن يُبنى بعده. وحين لا تكفي الشهادة، فذلك لا ينتقص من قيمتها؛ فقيمتها لا تقف عند ما تثبته، وإنما تمتد إلى ما يستطيع صاحبها أن يبني فوقه. ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان