تبدأ التربية من البيت ، وفي البيت تتشكل، ومن البيت تنطلق آثارها إلى المجتمع. وحين نتأمل واقع الأسرة المعاصرة، قد يبدو البيت عامرًا بكل شيء: أثاثٌ، وأجهزةٌ، وشاشاتٌ، وملابسٌ، وطعامٌ، ومظاهرُ رفاهيةٍ تتسع يومًا بعد يوم؛ لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: ماذا يملك البيت؟ بل: ماذا يزرع البيت؟ قد تكون بيوتنا ممتلئةً بملابس المادة، لكنها في حاجة إلى ملابس المعنى؛ ممتلئةً بالأشياء، لكنها تفتقر إلى الدفء؛ عامرةً بالأصوات، لكنها تعاني الصمت التربوي؛ مزدحمةً بالأفراد، لكنها فقيرةٌ في الحوار؛ متصلةً بالعالم عبر الشاشات، لكنها منفصلةٌ عن أبنائها في أعمق احتياجاتهم النفسية والقيمية والإنسانية. وهنا يتّضح السؤالُ المؤلمُ، ويتكرّر إلحاحُه: بيوتُنا عورةٌ... فهل من غيثٍ تربويٍّ، يا رب؟ التربية من بيت... التربية لا تبدأ حين يدخل الطفل المدرسة، ولا حين يجلس أمام المعلم، ولا حين يحمل كتابه المدرسي. التربية تبدأ من بيت. من نبرة الأب حين يتحدث، ومن طريقة الأم حين تعالج الخطأ، ومن علاقة الوالدين بعضهما ببعض، ومن طريقة الأسرة في إدارة الخلاف، ومن صدق الوعد، ومن احترام الوقت، ومن أدب الحوار، ومن كيفية التعامل مع الضعيف، ومن الموقف الذي يراه الطفل ولا يسمع عنه في درسٍ أو محاضرة. فالطفل لا يتلقى التربية من الكلمات وحدها؛ بل يتشربها من المشهد اليومي المتكرر. ولهذا فإن البيت ليس مجرد مكان للسكن، وإنما هو البيئة التربوية الأولى، وفيه تتكون البذور الأولى للشخصية: كيف يحب، وكيف يختلف، وكيف يعتذر، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يتعامل مع الخطأ، وكيف ينظر إلى الدين، والعلم، والعمل، والآخرين. إن الطفل قد ينسى عشرات النصائح التي سمعها، لكنه قد يحمل معه سنوات طويلة صورةً رآها في البيت، فالقدوة المنزلية تسبق الموعظة، والممارسة تسبق التلقين، والعلاقة تسبق التعليم. بيوتنا عارية من ملابس المعنى! المشكلة ليست في أن نكسو أبناءنا، ونطعمهم، ونوفر لهم التعليم والعلاج والراحة؛ فهذه كلها مسؤوليات لا يجوز التفريط فيها. لكن المصيبة تبدأ حين تتحول العناية بالمادة إلى بديل عن العناية بالمعنى. نشتري للطفل أجمل الملابس، وننسى أن نكسوه ثوب الصدق. نوفر له أحدث الأجهزة، وننسى أن نمنحه وقتًا للحوار. نحرص على درجاته الدراسية، وننسى أن نسأل عن ضميره. نبحث له عن أفضل مدرسة، ولا نبحث بالقدر نفسه عن أفضل بيئة أسرية. نعلمه كيف ينجح في الامتحان، ولا نعلمه كيف ينجح في الحياة. نعطيه المال، لكننا قد نبخل عليه بالكلمة الطيبة. نمنحه غرفةً خاصة، لكننا لا نمنحه دائمًا قلبًا يستمع إليه. وهكذا قد يصبح البيت ممتلئًا بملابس المادة، عاريًا من ملابس المعنى. وما أحوج الإنسان إلى المعنى! فالمعنى هو الذي يمنح العلم اتجاهه، والمال وظيفته، والحرية مسؤوليتها، والقوة أخلاقها، والنجاح رسالته؛ وللغيث في الوجدان الإنساني معنى يتجاوز نزول الماء من السماء. فالأرض إذا انحبس عنها المطر جفّت، وتشقق سطحها، وضعفت قدرتها على الإنبات؛ وكذلك القلب والبيت والمجتمع إذا انحبس عنها غيث التربية. قال تعالى:﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 48-49]. وقال سبحانه:﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5]. كما أن الماء يحيي الأرض، فإن التربية الحية تحيي الإنسان. وحين ينقطع الغيث التربوي، لا تظهر النتيجة بالضرورة في يوم واحد؛ بل تتراكم آثار الجفاف ببطء: يضعف الحوار، تتراجع القدوة، يتسع العناد، تزداد الفجوة بين الآباء والأبناء،يتحول الهاتف إلى مربيٍ بديل، وتصبح الشاشة مصدرًا للقيم والصور والنماذج والأفكار. وللحديث بقية . بقلم: د. محمود محمد عبدي ــــ مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي