أهم احتياجات هذه المرحلة: العمل المناسب يكون العمل مناسبًا إذا حقق ثلاثة أمور: أن يكون حلالًا،أن يكون متوائمًا مع اختصاصاته وميوله، وأن يكون مردوده المالي كافيًا. أُجريت دراسة عن سوق العمل، تم فيها مسح ثلاثين أسرة لدراسة عرض قوة العمل، كما تم مسح أكثر من 1200 مؤسسة من القطاع الخاص لدراسة الطلب على قوة العمل. وفي هذه الدراسة فوائد كثيرة، أذكر منها فائدتين متصلتين بموضوع المقال: دراسة المهارة والنقص في المهارة، ودراسة الشواغر والشواغر صعبة الملء. أولًا: دراسة المهارة والنقص في المهارة أرادوا فيها دراسة العمال المهرة الموجودين على رأس عملهم، والعمال غير الماهرين الموجودين على رأس عملهم. وجدت الدراسة أن معدل فجوة المهارة بلغ 16%، بمعنى أن عاملًا واحدًا بين كل ستة عمال لا يمتلك المهارة اللازمة لقيامه بأعماله. وتوجد تلك الفجوة في مختلف فئات منشآت العمل المدروسة: الصناعية والزراعية والخدمية والعقارية والمالية. وأوضحت الدراسة أن أهم مجالات المهارة المطلوب تحسينها هي المهارات الاختصاصية الفنية، وهناك مهارات عامة، كإتقان اللغة الأجنبية، أو مهارة العمل ضمن فريق، أو تقنيات الحاسب الآلي. وفي هذه الدراسة رسالة لشبابنا، وهي أن يعملوا على أنفسهم بتحصيل هذه المهارات؛ لتزداد فرصهم في سوق العمل. ثانيًا: دراسة الشواغر والشواغر صعبة الملء أرادوا في هذه الدراسة دراسة شواغر العمل التي تبحث عن العاملين، والشواغر النوعية في المنشآت. وأظهرت الدراسة أن هناك شواغر صعبة الملء تبحث عن عاملين بمهارات عالية، وأن 75% من الشواغر هي من هذا النوع. فالمنشأة تستغرق وقتًا طويلًا لإيجاد العامل المناسب لهذا الشاغر، وربما اضطرت إلى تدريب عمالها الحاليين، أو القبول بمؤهلات أقل، الأمر الذي يعيق توسع عمل المنشأة، علمًا بأن المنشآت مستعدة لدفع راتب شهري مجزٍ عند توفر العامل الأكثر كفاءة. وفي هذا رسالة ثانية لشبابنا لرفع سوية مهاراتهم وكفاءاتهم. أيها الإخوة، بين يدي كتاب أراه نافعًا: «أسواقنا التجارية» للدكتور محمد خير الشعال. أختار لكم من هذا الكتاب: ورد ذكر العمل واشتقاقاته في القرآن الكريم أكثر من 300 مرة، ولعل أكثر ثلاثة مصطلحات تعترضك وأنت تقرأ القرآن: الإيمان، والعلم، والعمل. وقد حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه كثيرًا عن العمل ودفعهم إليه، وكان يقول لهم: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده». وقال صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح».وعمل النبي صلى الله عليه وسلم في التجارة، وفي رعي الغنم، وعمل في بناء المسجد، وعمل في حفر الخندق، وعمل في مهنة عياله. وأنتجت تربية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جيلًا من الصحابة يعملون ويتعلمون. وتحدثنا كتب التراجم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان بَزَّازًا، يعني تاجرًا للقماش، وكان سعد بن أبي وقاص يَبُرُّ النبل، يعني يصنع النبال ويجعلها مسننة، وكان عمرو بن العاص جزارًا، وكان أبو سفيان تاجر زيت وجلود، وكان عثمان بن عفان تاجرًا، وكان علي بن أبي طالب عاملًا بأجرة، رضي الله عنهم أجمعين. وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «إني لا أرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإذا قالوا: لا، سقط من عيني». ذكرت كتب التاريخ أن العرب المسلمين أدخلوا أول شجرة نخيل إلى أوروبا، وأدخلوا أيضًا إليها زراعة القطن وقصب السكر والفستق الحلبي. وتذكر معاجم اللغة كلمات عربية زراعية دخلت إلى اللغات الأوروبية، ولا يزال الأوروبيون يستعملونها إلى اليوم. ومن هذه الكلمات: السكر، والقطن، وعصير الليمون، والأرز، والأرضي شوكي. وأختم مقالي بكلمتين: أقدم الأولى للشباب الباحثين عن العمل أو العاملين، والثانية لكل صاحب قرار يستطيع عون شبابنا على العمل. الكلمة الأولى للشباب: إن كنت باحثًا عن عمل، فكن جادًّا مجتهدًا في بحثك، وقدِّم سيرتك الشخصية بشكل صحيح؛ لينفع ذلك في معرفة جديتك في البحث عن العمل. وتقديم السيرة الشخصية بشكل صحيح هذه كلمتي للشباب الباحثين عن العمل. وإن كنت عاملًا، فحافظ على نعمة العمل بإتقان هذا العمل؛ فإن النعم التي لا تُشكر تذهب. الكلمة الثانية لأصحاب القرار وأصحاب الأعمال والأموال وأصحاب العلم: تثبت دراسات سوق العمل أن شبابنا بشكل عام يحبون العمل والنشاط، وأن الشباب يُظهر استعدادًا للمرونة في جهودهم لتلبية احتياجات البلد للعمالة. وعند سؤال الشباب عما يرغبون فيه من عمل إذا صاروا عاطلين عن العمل، كما جاء في مؤشر عام 2010م في إحدى الدول، قال 59% منهم إنهم سيقبلون وظيفة دون مستوى مهاراتهم، وقالت نسبة مقاربة إنهم على استعداد للتأهل لمجال عمل مختلف، بينما قال آخرون إنهم قادرون على إنشاء أعمال خاصة إذا وجدوا من يعينهم. فبإمكان كل صاحب قرار وأعمال وأموال مساعدة شبابنا على العمل، بتقديم برامج التمويل الصغير، وبالدعم المالي المباشر، أو بتقديم الحوافز ودعم المتقدمين والمبدعين، وبالمواءمة بين البرامج التعليمية واحتياجات سوق العمل. أيها الإخوة الكرام، كان من دعاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارزقنا من فضلك، ولا تحرمنا رزقك، وبارك لنا فيما رزقتنا، واجعل غنانا بأنفسنا، واجعل رغبتنا فيما عندك». فتعالوا نتأسى بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فندعو لشبابنا وندعو لأنفسنا: «اللهم ارزق شبابنا من فضلك، ولا تحرمهم من رزقك، وبارك لهم فيما رزقتهم، واجعل غناهم في أنفسهم، واجعل رغبتهم فيما عندك». بقلم : عبد الرزاق حسن طبر