مواصلة لما سبق، فإن التربية لا تنتظرنا حتى نلتفت إليها؛ فالأبناء يكبرون كل يوم، وتتشكّل أفكارهم وقيمهم بصمت، ثم نستيقظ بعد سنوات لنسأل: أين ذهب أبناؤنا؟ والسؤال الحقيقي ربما كان ينبغي أن يُطرح قبل ذلك بكثير: من كان يربيهم كل يوم؟ مصيبتنا ليست في غياب التربية، بل في غياب التربية النشطة ليست المشكلة دائمًا أن الأسرة لا تريد الخير لأبنائها؛ فكثير من الآباء والأمهات يريدون لأبنائهم أفضل مستقبل، لكن النية الحسنة وحدها لا تصنع شخصية متوازنة، التربية تحتاج إلى فعلٍ مستمر، ومتابعة، وحوار، وقدوة، ومراجعة، وتصحيح. التربية النشطة تعني أن يكون الوالدان حاضرين في حياة أبنائهم حضورًا يتجاوز توفير الطعام والملبس والمصروف. أن يعرف الأب ماذا يشغل ابنه، وأن تعرف الأم ما الذي يخيف ابنتها، أن يُسأل الطفل عن رأيه، لا أن يُسأل فقط عن درجاته، أن يُناقش الخطأ، لا أن يُعاقب عليه فقط، أن تُكتشف الموهبة، لا أن يُنتظر ظهورها صدفة، أن يتعلم الابن المسؤولية من خلال مواقف حقيقية، لا من خلال قائمة طويلة من الأوامر، فالتربية ليست: «لا تفعل» و«افعل» فقط. بل هي: افهم، وحاور، وقدّم نموذجًا، ودرب، وراقب، وشجع، وصحح، ثم أعد المحاولة. الغيث لا ينزل على أرض واحدة من أجمل ما يعلّمنا إياه المطر أن نزوله واحد، لكن أثره يختلف باختلاف الأرض. والأبناء كذلك، ليس كل طفل نسخةً من الآخر، هذا سريع التأثر، وذاك يحتاج إلى وقت. هذا يستجيب للكلمة، وذاك يحتاج إلى ممارسة، هذا يحتاج إلى تشجيع، وذاك يحتاج إلى حدود واضحة، وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التربية: العدل لا يعني دائمًا التشابه في المعاملة، بل يعني إعطاء كل ابن ما يحتاج إليه في إطار من الإنصاف، ولهذا فإن التربية النشطة لا تسأل فقط: «ماذا أريد من ابني؟» بل تسأل أيضًا: «ماذا يحتاج ابني مني؟» وهذا التحول من منطق المطالبة إلى منطق الفهم يمكن أن يفتح بابًا واسعًا للإصلاح. بين الغيث والمطر... فرقٌ في المعنى قد ينزل المطر غزيرًا، ولكن إذا لم تكن الأرض مهيأةً لاستقباله، جرى الماء دون أن ينبت الزرع. وكذلك قد يسمع الأبناء عشرات المواعظ، ويحضرون الدروس، ويحفظون النصوص، ويستمعون إلى النصائح؛ لكن التربية لا تتحول إلى سلوك إلا إذا وجدت بيئةً حاضنةً للممارسة. لذلك لا يكفي أن نقول للطفل: «كن صادقًا»، بل ينبغي أن يرانا صادقين. ولا يكفي أن نقول: «احترم الآخرين»، بل ينبغي أن يرى الاحترام في البيت. ولا يكفي أن نقول:«اترك الهاتف»، بل ينبغي أن يرى الأسرة نفسها قادرةً على ضبط علاقتها بالشاشات، ولا يكفي أن نطالبه بالقراءة، ونحن لا نقرأ، ولا أن نطالبه بالهدوء، ونحن نصرخ. ولا أن نطالبه بالاعتذار، ونحن لا نعتذر، فالتربية لا تُلقَّن فقط؛ إنها تُرى وتُعاش وتُمارس. فإذا نزل الغيث، اهتزت الأرض وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج. وكذلك البيت... إذا سُقي بالرحمة، وأُحيي بالحوار، وأُصلح بالقدوة، وربط بالله، أنبت أبناءً يعرفون كيف يعيشون، ولماذا يعيشون، وكيف يكونون نافعين لأنفسهم وأسرهم ومجتمعهم. العلاج يبدأ من العودة إلى الله، ومع كل ما سبق من أدوات تربوية ونفسية واجتماعية، يبقى للإنسان بعدٌ لا تستطيع الأدوات المادية وحدها أن تملأه. إنه البعد الإيماني: وحين تضيق بنا السبل، لا يكون الفرار من الواقع، بل الفرار إلى الله، والاستعانة به، ثم الأخذ بالأسباب، قال تعالى:﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]. فالفرار إلى الله ليس انسحابًا من مسؤولية التربية، بل هو استمداد للقوة والبصيرة والصبر والهداية للقيام بهذه المسؤولية، ومن أجمل ما يستنير به المربي دعاء النبي ﷺ: «يا حيُّ يا قيومُ، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». إنه دعاء يختصر فلسفة تربوية مفادها: يا رب، لا أستطيع أن أصلح شأني بنفسي وحدها. أحتاج إلى رحمتك، أحتاج إلى هدايتك، أحتاج إلى بصيرةٍ أعرف بها متى أتكلم ومتى أصمت. متى ألين ومتى أحزم، متى أعاقب ومتى أعفو، متى أوجه ومتى أترك مساحةً للتجربة. أصلح لي شأني كله، فصلاح البيت ليس في صلاح جانب واحد منه؛ وإنما في تكامل جوانبه: إيمانًا، وعلاقةً، وحوارًا، وقدوةً، وانضباطًا، وعلمًا، ورحمةً. وللحديث بقية ................................. بقلم: د. محمود محمد عبدي ــــ مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي