أهم مخاطر هذه المرحلة: الغفلة عن الله ذلك لأن ابن هذه المرحلة قد بلغ أشده، وقويت بنيته، وتحرك المال بين يديه، وأثنى عليه من حوله بقوته وجماله وذكائه وخصاله، فأخشى عليه الغفلة عن الله تعالى؛ أن يذكر قوته وينسى الله، أن يذكر جاهه وينسى الله، أن يذكر علاقاته الاجتماعية وينسى الله. كان بالأمس محتاجًا لوالديه، وهو الآن مكتفٍ بنفسه. كانوا بالأمس ينفقون عليه، وبات اليوم ينفق على نفسه، وربما أنفق على غيره. اعتدَّ البارحة بجاه أبيه وأرحامه، لكنه اليوم يعتد بجاهه وبأصحابه. فأخشى ما أخشاه عليه الغفلة عن الله تعالى؛ أن يذكر قوته وينسى الله، أن يذكر جاهه وينسى الله، أن يذكر علاقاته الاجتماعية وينسى الله، أن يستجيب لداعي الهوى ويترك داعي الله، أن يمضي حيث يحب ولو كره الله ذهابه، وأن نفتقده في مكان الطاعات ولو كره الله غيابه. يذكر كل أمر إلا أمر الله، ويستحضر كل مهم ويغفل عن الله. أن ترتدي هذه الفتاة ما تمنَّت، وخالفت ربها، أن تمضي حيث شاءت ولو أغضبت ربها، أن تصاحب من يُبعدها عن الله، وأن تجالس من يأخذ بيدها بعيدًا عن درب الله. إن أخطر ما نخشى على بنت الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين أن تذكر كل شيء وتنسى الله، وأن تنتبه لكل أمر وتغفل عن أمر الله. أخشى ما أخشاه على ابن هذه المرحلة أن يغفل عن الله، فيكله الله إلى نفسه. وقد اتفق العارفون على أن التوفيق أن يتولاك الله تعالى، وألا يكلك إلى نفسك، وأن الخذلان أن يكلك الله إلى نفسك. فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته. قال الصالحون: «العارف يسير إلى الله تعالى بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيد الاستغفار أن يقول العبد: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي» بين مشاهدة النعمة والمنة، وبين الاطلاع على عيب النفس والعمل. وأقرب باب دخل منه العبد على الله هو الافتقار؛ فيرى العبد نفسه أنه إن تخلَّى الله عنه طرفة عين هلك، وخسر خسارة لا سعادة بعدها. لذلك كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». أيها الإخوة، ورد ذكر الغفلة في القرآن الكريم 35 مرة، كلها مواضع ذم. قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقال أيضًا:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا، وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا، أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. والغفلة عن الله أصل الخطايا، وهي التي تزيد الحسرة والندامة. قال الإمام الجنيد: «تأملت في ذنوب أهل الإسلام، فلم أرَ منها ذنبًا أعظم من الغفلة عن الله». حُكي أن أحد الصالحين رأى شيخه في المنام، فسأله: أي حسرة أعظم عندكم في الآخرة؟ قال: حسرة الغافلة. وأهم ما يقي المرء من الغفلة عن الله تعالى الإكثار من ذكر الله. قال تعالى:﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. في المكتبات كتاب مفيد في باب التربية، وهذا الكتاب بمعنى التربية الروحية والأخلاقية، واسم الكتاب: «تهذيب مدارج السالكين» للشيخ عبد المنعم العربي. أختار لكم من حديث منزلة الذكر ما يناسب موضوع المحاضرة؛ لأن ذكركم لله، يا أبناء الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين، هو العاصم لكم ولنا جميعًا من الغفلة عن الله. الذكر والذكر الكثير قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. الذكر والذكر الدائم قال الله تعالى:﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾.الحديث عن منزلة الذكر قال ابن القيم رحمه الله: «منزلة الذكر هي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون، والذكر منشور الولاية الذي من أُعطيه اتصل، ومن مُنعه حُرم، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق». إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحيانًا فننتكس به ستدفعون الآفات، وستكشفون الكربات، وتهون عليكم به المصيبات. إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم، يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويوصل الذاكر إلى المذكور، وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها. كلما ازداد الذاكر في ذكره استقرارًا، ازداد المذكور محبةً إلى لقائه واشتياقًا إليه. وإذا واطأ في ذكره قلبه لسانه، نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء. به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يقله العبد بغفلته. قال الحسن البصري: «تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: 1- عند الذكر. 2- وفي الصلاة. 3- وعند تلاوة القرآن الكريم. فإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق». بالذكر يُسرع العبد الشيطان، كما يسرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صُرع، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسَّه الإنسي. وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله». رواه أحمد. وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده». وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت». وفي رواية لمسلم: «مثل البيت الذي يذكر فيه الله، والبيت الذي لا يذكر فيه الله، مثل البيت الحي والميت». وحسب الذاكر أنه يكون مذكورًا عند الله. قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. فيا أيها الإخوة الكرام، أهم مخاطر أبناء الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين، ومن جاوز هذه المرحلة أو قاربها، الغفلة عن الله تعالى. وأهم ما يقيك من الغفلة ذكر الله، وأن تتخذ لنفسك وظيفة ذكر في كل يوم. بقلم : عبد الرزاق حسن طبر