كيف يوسع تكامل القدرات حدود الممكن؟ قد تمتلك الدولة موردًا سياحيًا مميزًا، وتعمل على تطويره، ومع ذلك يبقى جانب من قيمته الاقتصادية الممكنة غير متحقق. فخصوصية المكان تمنحه سببًا للزيارة، لكنها لا توفر وحدها كل القدرات اللازمة لتحويل هذه الخصوصية إلى تجربة تصل إلى الأسواق المختلفة، وتجد من يعرفها ويستطيع الوصول إليها. تكشف السياحة في جيبوتي جانبًا من هذه الفكرة. فالبلاد تمتلك مواقع طبيعية ذات خصوصية واضحة، من بحيرتي عسل وعَبِه إلى الجزر والشواطئ والبيئات البحرية والجبلية. وفي أبريل 2026، شاركت وكالة السياحة الجيبوتية في معرض World Travel Market Africa بمدينة كيب تاون، وأبرمت تفاهمات مع منظمي رحلات دوليين للوصول بالوجهة إلى أسواق جديدة، من بينها توجه لإدراج جيبوتي ضمن برامج سياحية مرتبطة بإثيوبيا. ما وراء الموارد اللافت هنا ليس الاتفاقات في ذاتها، وإنما المنطق الاقتصادي الذي تكشفه. فالمورد موجود، والعمل على تطويره قائم، لكن جزءًا من قيمته الممكنة يعتمد على قدرات أخرى؛ قد يملكها طرف يعرف سوقًا معينًا، أو يصل إلى عملائه، أو يحسن تصميم المنتج الملائم لهم. ولا يحتاج صاحب المورد إلى امتلاك هذه القدرات جميعًا؛ فقد يوسع التكامل معها ما يستطيع تحقيقه. وهنا يظهر سؤال مختلف عن السؤال المعتاد حول الموارد. فقد لا يكون القيد في المورد نفسه، وإنما في قدرة أخرى يحتاج إليها حتى يتسع أثره. وإذا كان القيد في هذه القدرة المكملة، فقد لا يكون مزيد من الاستثمار في المورد هو الطريق الأجدى؛ وقد تكمن الفرصة في الاستفادة مما يكمله. وقد توجد هذه القدرة داخل الاقتصاد أو خارجه؛ المهم أن نعرف موضعها قبل أن نقرر كيف نستفيد منها. وما تكشفه السياحة هنا ليس خاصًا بها؛ فهي مثال لنمط أوسع في صناعة القيمة: قد يكون المورد عند طرف، والسوق عند آخر، والمعرفة عند ثالث، والتمويل أو التقنية عند رابع؛ ومن تكامل هذه القدرات قد تنشأ قيمة لا يستطيع أي منها صنعها منفردًا. وتقترب هذه الفكرة مما تسميه أدبيات الإدارة الاستراتيجية «المنظور العلائقي»، الذي يلفت النظر إلى أن بعض مصادر القيمة قد تنشأ عبر العلاقات بين المؤسسات. ومن هذه الزاوية، قد يعتمد بعض إمكان المؤسسة على قدرة تقع خارج حدودها، دون أن يعني ذلك أن عليها امتلاكها. ليست كل علاقة قيمة لكن وجود العلاقة لا يكفي. فقد توقع المؤسسات اتفاقات، وتعقد اجتماعات، وتتبادل المعلومات، من دون أن يتسع كثيرًا ما تستطيع تحقيقه. لذلك لا تقاس قيمة التنسيق بكثافة الاتصال، وإنما بما أصبح ممكنًا بسببه ولم يكن ممكنًا قبله. وللتنسيق أيضًا كلفته من الوقت والمتابعة وتبادل المعلومات والتوفيق بين المسؤوليات والمصالح؛ فإذا لم تتجاوز القيمة التي يضيفها كلفته، فقد يتحول من وسيلة لاختصار المسافة إلى طبقة جديدة منها. ثم يبقى سؤال آخر: كيف تتوزع القيمة التي أصبحت ممكنة؟ فزيادة النشاط لا تخبرنا وحدها كيف تتوزع عوائده بين أطراف العلاقة، ولا كم يحتفظ الاقتصاد المحلي منها. وفي السياحة مثلًا، لا يتحدد الأثر التنموي بعدد الزوار وحده، بل أيضًا بمدى الروابط التي يصنعها إنفاقهم داخل الاقتصاد المحلي؛ من الإقامة والنقل والإرشاد إلى الخدمات والمنتجات المحلية. فخلق القيمة شيء، وكيفية توزيع عوائدها شيء آخر. لذلك قد يكون من الأجدى، قبل إنشاء شراكة أو لجنة أو إطار جديد للتنسيق، أن نبدأ بالنتيجة التي نريدها، ثم نحدد ما يقيدها، والقدرة التي يمكن أن ترفع هذا القيد، وأين توجد، وما إذا كان التكامل معها سيخلق قيمة تبرر كلفته، وكيف ستتوزع عوائدها.ولا يعني الاحتياج إلى قدرة ما ضرورة امتلاكها؛ فقد يكون الأنسب شراء خدمة، أو بناء شراكة، أو تبادل معرفة، أو تطوير القدرة محليًا. خريطة لما يكمل ما نملك لهذا لا تكفي خريطة الموارد وحدها لفهم إمكانات مؤسسة أو اقتصاد. فإلى جوار خريطة ما نملك، نحتاج أحيانًا إلى خريطة لما يكمله؛ تكشف أين توجد القدرات التي توسع أثره، وما العلاقات التي تتيح الاستفادة منها. فبعض الإمكان يسكن فيما نملك، وبعضه يولد مما يمكن أن يتكامل معه. ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان