في المدرسة، حيث تتربى الأجيال وتتشكّل، وحيث يُصنع القادة وأصحاب الهمم، تدخل المعلمة على الطلاب، فتسلّم عليهم، ثم تقول: «طلابي الأعزاء، اليوم سيُخبر كلٌّ منا الآخر عن طموحاته في المستقبل، فمن سيبدأ ويخبرنا؟»

 يرفع الطلاب أيديهم واحدًا تلو الآخر، ويرسم كلٌّ منهم مستقبله بكلمات متناثرة وغير مرتبة؛ فمنهم من يعرف ما يريد، ومنهم من لا يزال يبحث عن حلمه، وربما كان بعضهم يردد ما يظنه طموحًا، أو ما يريد أن يبدو عليه أمام الآخرين.

هنا تبدأ المسيرة؛ مسيرة تبدأ بسؤال واحد، ولكن نهايتها قد تكون مسيرة أمة بأكملها.

 ومع مرور الطالب في مراحل التعليم، تبدأ ميوله في الظهور، وتتأثر بعوامل مختلفة؛ فقد تكون تقليدًا لشخصية ما، أو نتيجة لما تلقاه من والديه منذ صغره، سواء أكان ذلك تشجيعًا أم توجيهًا، وقد تكون موهبة نمت من تلقاء نفسها، وحبًّا حقيقيًّا لمجال معين.

 ومن هنا، لا يبدأ اختيار التخصص الجامعي عند لحظة الوقوف أمام أبواب الجامعة، وإنما تبدأ جذوره قبل ذلك بسنوات، حين يبدأ الطالب في اكتشاف نفسه وميوله وقدراته، والأشياء التي يرى نفسه قادرًا على الإبداع فيها.

إن المرحلة الثانوية هي آخر مرحلة يعتمد فيها الطالب على أستاذه، لينتقل بعدها من مرحلة التكوين إلى مرحلة الإنتاج.

 وفي نهاية العام الدراسي، يخوض الطالب الاختبارات النهائية، التي ستكون معيارًا لما بعدها.

وفي الجامعة، حيث يتخرج القادة والعلماء، وحيث يتحول الطلاب من مجرد متلقين للمعلومات إلى باحثين أكاديميين ومفكرين علميين، تبرز الفروق الفردية إلى العلن.

 مفترق الطرق يتجهز الطالب للالتحاق بالجامعة بعد شوط صعب من الاختبارات الوزارية، حيث يقف أمام خيارات عدة، ومجالات مختلفة، وتخصصات عديدة.

في هذه المرحلة من الدراسة ينصهر الطلاء، وتظهر جودة المعادن، فينقسم الطلاب إلى أربعة أقسام تقريبًا: ١.صاحب الهواية المتمكنة وهو الطالب الذي عرف مجاله المستقبلي منذ المرحلة الثانوية أو قبلها، وأحب مجالًا معينًا، وطوّر نفسه فيه، واستعد له.

وعندما حان وقت اختيار التخصص، اختار المجال الذي يراه مناسبًا له، وسار نحو تحقيق حلمه، فيكون نافعًا لنفسه ولوطنه، وتكون فرص نجاحه أكبر.

 ٢. المتردد غير المستقل في قراراته وهو الطالب الذي يدخل الجامعة دون تخطيط، ولا يعرف ماذا يريد، فيملأ والداه هذا الفراغ ويختاران له التخصص، بغض النظر عن قدراته وميوله.

 وقد يخاف من مخالفة والديه، فيجد نفسه في مكان لم يختره. وقد يجتهد ويبذل جهدًا، لكنه لا يبدع، وفي النهاية يدفع هو ثمن ذلك القرار.

٣. التابع للجماعة وهو الطالب الذي يختار تخصصه بناءً على أصدقائه، فيسأل: أين سأستمتع مع أصدقائي؟

بدلًا من أن يسأل: ما الذي أجيده؟

 وما المجال الذي أستطيع أن أبدع فيه؟

وما الذي سيفيدني في مستقبلي؟

فيختار ما اختاره أصدقاؤه، أو المجال الذي ينتمون إليه، لأسباب بسيطة، ويظل تابعًا للجماعة، فلا يحقق من إمكاناته ما كان يستطيع تحقيقه لو اتخذ قراره بنفسه.

٤. المتخوّف وهو الطالب الذي يبحث عن السهل، ويجعل معيار اختياره للتخصص هو سهولة الدراسة وصعوبتها؛ لأنه يخاف من مواجهة الصعوبة ويتجنبها، ويعتقد أن السهل يعني نجاحًا سريعًا ونسبة فشل أقل، بينما الصعب يعني الفشل والخسارة.

 ولا يهتم بما إذا كان التخصص يناسب موهبته أو شغفه، وإنما يتبع السهولة بدلًا من حلمه، فلا ينفع نفسه ولا ينفع غيره؛ فما يأتي بطريقة سهلة قد يذهب بطريقة سهلة أيضًا.

إن اختيار التخصص في هذه المرحلة ليس مجرد اختيار مادة من مادة أخرى، وإنما هو مرحلة يرسم فيها الطالب طريقه نحو مستقبله المهني والأكاديمي، ولذلك فلا بد من التوعية بأهميته. وهذه المسؤولية لا تقع على الطالب وحده، بل تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتمتد إلى المجتمع والحكومة.

فالطالب يحتاج إلى من يرشده، لا إلى من يختار عنه؛ وإلى من يكتشف مواهبه، لا إلى من يفرض عليه أحلامًا لم يخترها. إن الهدف في النهاية ليس أن يتخرج أكبر عدد من الطلاب فحسب، وإنما أن يتخرج جيل يعرف قدراته، ويدرك مسؤولياته، ويضع علمه ومواهبه في المكان الذي يستطيع أن ينفع فيه نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه.

وبذلك يصبح اختيار التخصص خطوة في بناء المستقبل، لا مجرد قرار عابر في نهاية المرحلة الثانوية.

 

بقلم : حسن علي وابري