كيف تنمو القيمة حول ما نملك؟ حين تمر سفينة بميناء، ما القيمة التي تتركها وراءها؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يفتح بابًا أوسع لفهم التنمية.

فالقيمة الاقتصادية للميناء لا تتوقف عند رسوم العبور والمناولة، كما أن قيمة الكابل البحري لا تنتهي عند البيانات التي تمر خلاله.

 قد يكون الأصل واحدًا، بينما تتعدد طبقات القيمة التي يمكن أن تنمو حوله. وهنا يظهر فرق مهم بين امتلاك الأصل وبناء اقتصاد حوله.

قطعت جيبوتي شوطًا مهمًا في تحويل موقعها الجغرافي إلى بنية مينائية ولوجستية تخدم التجارة الإقليمية. ولم يعد الأمر مقصورًا على الموانئ؛ فالمناطق الحرة والخدمات اللوجستية والأنشطة الصناعية والبحرية تعكس مسارًا بدأ بالفعل نحو توسيع القيمة المرتبطة بحركة التجارة.

لذلك لم يعد السؤال: كيف نستفيد من الموقع للمرة الأولى؟

 وإنما: ما الذي يمكن أن ينمو بعد ذلك حول ما تحقق بالفعل؟

ما يمكن أن ينمو حول الأصل لنأخذ الميناء مثالًا. في صورته المباشرة يستقبل السفينة، وتُنقل الحاوية، وتُقدم خدمات المناولة والتخزين والنقل.

لكن حركة السفن والبضائع تخلق طلبًا على أنشطة أخرى: من المعالجة والتعبئة إلى الصيانة والخدمات المهنية والمالية.

وافتتاح منشأة لإصلاح السفن في جيبوتي يقدم مثالًا على نشاط ينمو حول الحركة البحرية نفسها.

 عندها يصبح السؤال الاقتصادي الأدق ليس فقط: كم حاوية تمر؟

وإنما أيضًا: كم نشاطًا ينشأ لأن هذه الحاوية مرت من هنا؟

 الأول يقيس الحركة، والثاني يبحث عما تخلقه الحركة.

لكن عدد الأنشطة وحده لا يكفي لقياس الأثر.

فقد تتسع الحركة الاقتصادية بينما يبقى ارتباطها بالاقتصاد المحلي محدودًا.

لذلك يظهر سؤال ثالث: كم من القيمة التي تنشأ حول الأصل يبقى داخل الاقتصاد؟

 يظهر ذلك في الوظائف التي يخلقها، والمهارات التي يبنيها، والخدمات التي تشتريها الشركات محليًا، والمعرفة التي تنتقل، والمؤسسات التي تنشأ لتلبية طلب جديد.

وكلما اتسعت هذه الروابط، لم يعد الأصل مصدرًا لعائد مباشر فقط؛ أصبح قاعدة تتكون حولها قدرات يستطيع الاقتصاد استخدامها مرة أخرى.

وتتضح الفكرة بصورة أخرى في الكابلات البحرية. 

فموقع جيبوتي لم يعد يحمل إليها السفن وحدها؛ تمر عبره أيضًا شبكة من الكابلات الدولية التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا.

لكن القصة لم تتوقف عند مرور البيانات.

فقد بدأت حول هذه البنية بالفعل مراكز بيانات ومحطات إنزال وخدمات للربط، وظهرت مشروعات تجمع بين البنية الرقمية والابتكار، فيما يمتد الربط نحو أسواق المنطقة.

أي أن طبقة جديدة من القيمة بدأت تتكون.

والسؤال الآن: ما الذي يمكن أن ينمو حولها بعد ذلك؟

 خدمات سحابية، واستضافة محتوى، وتطبيقات أعمال وخدمات رقمية، وما يرتبط بذلك من مهارات واستثمارات ووظائف.

 وتشير تقديرات حديثة للبنك الدولي إلى إمكانات إضافية لتوسيع قطاع مراكز البيانات في جيبوتي، إذا عولجت قيود تتعلق بالطاقة والتنظيم والنفاذ إلى السوق. والمعنى الاقتصادي هنا هو الأهم: الاتصال بالعالم أصل، لكن مقدار القيمة المحلية التي تنمو حول هذا الاتصال مسألة أخرى.

 حين تصبح القيمة أصلاً جديداً وقد يحدث شيء أكثر أهمية: أن تصبح القيمة التي نشأت حول الأصل أصلًا جديدًا في ذاتها.

فالبنية اللوجستية التي نشأت لخدمة الميناء قد تجذب أنشطة أخرى، ومركز البيانات الذي يستفيد من الكابلات قد يهيئ لخدمات رقمية جديدة، والمهارات التي تتكون لخدمة نشاط قائم قد تصبح أساسًا لنشاط مختلف.

 أصل يخلق نشاطًا، والنشاط يولد قدرة، والقدرة تجعل نشاطًا جديدًا ممكنًا.

هنا تصبح التنمية عملية تراكم، لا مجرد إضافة مشروعات متجاورة.

أين تبدأ الحلقة التالية؟ لكن القيمة لا تنمو تلقائيًا.

فقد توجد منطقة صناعية من دون كثافة كافية من الشركات، وتتوافر بنية اتصال ممتازة بينما تحد كلفة الطاقة أو نقص المهارات من الاستفادة منها، وتمر تجارة متزايدة من دون أن تتسع معها قاعدة الموردين والخدمات المحلية.

وتجربة النمو في جيبوتي نفسها تذكّر بأن الاستثمار الكبير في البنية التحتية لا يتحول تلقائيًا، وبالقدر نفسه، إلى وظائف وقاعدة إنتاجية أوسع.

لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا نضيف حول الأصل؟

 السؤال الأدق: ما الحلقة التي إذا اكتملت جعلت الحلقات الأخرى أكثر قدرة على النمو؟

 قد تكون طاقة أقل كلفة، أو مهارة، أو تنظيمًا، أو تمويلًا، أو خدمة مكملة.

 ولا يعني ذلك أن يكون المطلوب دائمًا إنشاء نشاط جديد أو امتلاك كل حلقات السلسلة محليًا.

فقد تكون القيمة الأكبر في إزالة قيد يعطل ما هو موجود بالفعل، أو تحسين خدمة، أو جذب قدرة مكملة، أو تطوير مهارة تجعل الاستثمار القائم أكثر إنتاجًا.

 ولذلك تكون الأولوية لما يفتح، بتحسينه، مساحة أوسع أمام بقية الأنشطة.

 وهنا تظهر فائدة ما يمكن تسميته »خريطة القيمة حول الأصل«: نبدأ بما نملك، ثم نسأل: ما الأنشطة التي تعتمد عليه؟

 وما الخدمات التي يخلق عليها طلبًا؟

 وأي حلقات هذه السلسلة يكون تطويرها محليًا أكثر جدوى؟

وما المهارات التي تحتاج إليها؟

 وأين تتوقف السلسلة قبل أن تنتقل القيمة إلى اقتصاد آخر؟

 فالغاية ليست أن يزداد النشاط حول الأصل فحسب، وإنما أن يبقى قدر أكبر من قيمته في الاقتصاد: في وظائف ومهارات وشركات ومعرفة وقدرات جديدة. وعندها يتغير السؤال من: ماذا نملك؟

 إلى: ماذا يستطيع ما نملك أن يولد؟

فالقيمة الأعمق للأصل قد لا تكون فيما يقدمه اليوم وحده، وإنما فيما يتيح بناءه غدًا.

 

ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان