الكفاءة الإنتاجية وساعات العمل من الأفضل أن نفرق بين الوسيلة نفسها المتمثلة في ساعات العمل، وبين طريقة استخدامها التي نسميها بالكفاءة الإنتاجية. فالكفاءة الإنتاجية تعني استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة للمشروع بأفضل طريقة ممكنة وبأقل تكلفة ممكنة.

 وأهم مورد من الموارد الاقتصادية هو مورد العمل، وعلينا أن نستغل هذا المورد بأفضل طريقة.

فمثلاً: الطالب الذي يسعى إلى تحقيق هدف النجاح عليه بالمذاكرة من بداية العام الدراسي حتى دخوله إلى الامتحان، وفي هذا تتحقق الكفاءة ويتحقق الهدف، وهو النجاح.

 أما أن يسهر ويعطي للمذاكرة ساعات إضافية في أيام الامتحان فقط، فقد يرهق نفسه وقد لا يحقق الهدف.

وهكذا فإن تحقيق الهدف في المؤسسات، سواء كانت عامة أو خاصة، لا يكمن في الجانب الكمي للوسيلة، وإنما يكمن في الجانب الكيفي؛ أي كيف نستغل المورد المتاح للمؤسسة لتحقيق الهدف.

فقبل أن تفكر في ساعات عمل إضافية، اسأل نفسك: هل تم استغلال ساعات العمل الحالية بصورة صحيحة؟

 فقد تكون المشكلة ليست في قلة ساعات العمل، وإنما في الساعات الضائعة، أو سوء توزيع العمل، أو ضعف المتابعة، أو الإجراءات التي تستهلك وقت الموظف دون أن تضيف قيمة حقيقية.

ولذلك فإن زيادة ساعات العمل لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج، كما أن تقليل ساعات العمل لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاج.

المهم هو ما ينتجه الموظف خلال الوقت المتاح له. وقد تؤدي زيادة الكفاءة إلى إنجاز العمل في وقت أقل، بينما يؤدي ضعف التنظيم والإنتاجية إلى استهلاك ساعات طويلة دون نتائج توازي هذا الوقت.

ففي دراسة إحصائية في إحدى الدول العربية على العاملين بالقطاع الحكومي توصلت إلى ما يلي: 27% يتأخرون عن مواعيد العمل الرسمية، و21% ينصرفون قبل الموعد، و29% يتعمدون تعطيل العمل بدون مبرر، و27% يتكاسلون في أداء أعمالهم، و20% يلهون مع زملائهم في مكان العمل، و44% تتداخل اختصاصاتهم، و26% يصطحبون معهم أولادهم، و30% يستقبلون زائرين، و26% يتحدثون في أمور شخصية، و48% يقرؤون موضوعات لا تتعلق بالعمل.

 والسؤال هنا: هل أمثال هؤلاء بحاجة إلى ساعات إضافية لينتجوا أكثر؟

 أم أن المؤسسة بحاجة أولاً إلى معالجة الوقت الضائع وتحسين الانضباط وتنظيم العمل وتحديد المسؤوليات؟

ونضيف أيضاً مقارنة مهمة ذكرها الأستاذ إبراهيم رمضان في كتابه «أسس ومهارات إدارة الذات – إدارة الوقت»، حيث ذكر أن عدد ساعات العمل الفعلية المنتجة في الدول العربية تساوي 40 دقيقة فقط في اليوم، بينما تصل في الدول الغربية المتقدمة إلى 6 ساعات كل يوم.

 والمقصود هنا هو الوقت الذي ينتجه الموظف، وليس الوقت الذي يجلس فيه داخل المكتب. وهذه المقارنة، بصرف النظر عن مدى دقة تعميمها على جميع الدول والمؤسسات، تضع أمام الإدارة سؤالاً مهماً: هل نقيس الموظف بعدد الساعات التي يقضيها في مكتبه، أم بما ينجزه فعلياً خلال هذه الساعات؟

 ورغم عدم إجراء دراسة مستقلة حول هذا الموضوع في جيبوتي، مما يجعل النتائج الرسمية في هذا المجال محدودة، إلا أن الملاحظ في بعض المؤسسات الحكومية أن التأخر والغياب والتسرب من أوقات العمل المقررة يحدث بصورة متكررة، مع تفاوت ذلك من مؤسسة إلى أخرى.

ولا شك أن ضعف الانضباط في وقت العمل، إذا أصبح ظاهرة مستمرة، يقف عقبة أمام التنمية الإدارية ويؤدي إلى تدني أداء العاملين في المؤسسات.

ورفع الكفاءة الإنتاجية لا يخدم المؤسسة وحدها، وإنما يمثل وسيلة لتحقيق مصالح جميع الأطراف. فالشركة المنتجة تستفيد من ارتفاع المبيعات والأرباح وتخفيض تكاليف الإنتاج، مما قد يؤدي إلى تخفيض سعر السلعة أو الخدمة.

والمستهلك يستفيد من انخفاض الأسعار وقدرته على الحصول على الكمية المناسبة من السلعة أو الخدمة.

 والعامل يستفيد من ارتفاع الأجور والرواتب وتحسن بيئة العمل، وقد يؤدي ارتفاع الإنتاجية كذلك إلى تقليل الوقت اللازم لإنجاز العمل.

 ولهذا فإن الإدارة الناجحة لا تسأل فقط: كيف نجعل الموظف يعمل ساعات أكثر؟

 وإنما تسأل قبل ذلك: كيف نجعل الساعة التي يعملها الموظف أكثر إنتاجاً؟

 فساعة عمل منتجة قد تكون أفضل من ساعات طويلة تضيع بين التأخير والاجتماعات غير الضرورية والإجراءات المعقدة والأعمال التي لا تضيف قيمة.

وفي النهاية، الإنتاجية ليست بعدد الساعات التي نقضيها في العمل، وإنما بما ننجزه خلال هذه الساعات.

 

 بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة