من المعروف في كثير من المؤسسات أنه إذا أخطأ موظف بسيط تتم محاسبته وفق اللائحة، وقد يطلب منه تفسير خطئه أو تحمل نتائجه، لكن إذا أخطأ مسؤول كبير أو شخص مهم في المؤسسة، يبدأ البحث عن الأعذار، ويغلق الموضوع وكأن شيئاً لم يحدث.

وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الإدارة ليست مجاملة لأشخاص معينين، وإنما مسؤولية تجاه المؤسسة وجميع العاملين فيها.

 ليس من الإدارة أن تسكت عن الخطأ لأن صاحبه مدير كبير أو شخص مهم، فالمسؤولية تقتضي أن نقول: هذا خطأ، مهما كان صاحبه، ولكن بطريقة تحفظ له مكانته وتراعي أسلوب التعامل الإداري.

فتصحيح الخطأ لا يعني إهانة المسؤول، كما أن احترام المسؤول لا يعني السكوت عن خطئه.

 في كثير من المؤسسات لا تموت الجودة بسبب قلة الكفاءات، وإنما بسبب ثقافة الصمت. يخطئ المسؤول المهم، ويرى الموظفون خطأه، ويفهمونه، لكن الجميع يلتزم الصمت؛ خوفاً من خسارة منصب، أو طمعاً في ترقية، أو بحجة احترام الكبير، أو تحت شعار: «لا نريد أن نفتح باباً للمشكلات».

ومع مرور الوقت يصبح الصمت ثقافة، ويصبح الخطأ أمراً يمكن التعايش معه ما دام صاحبه من أصحاب النفوذ.

 والأخطر أن الخطأ عندما يتجاوز عنه بسبب مكانة صاحبه قد يتحول من خطأ شخصي إلى أسلوب عمل.

 فإذا رأى الموظفون أن المدير يستطيع أن يخالف النظام ولا يحاسب، فسيفهم بعضهم أن النظام ليس للجميع، وأن المنصب يمنح صاحبه استثناءً خاصاً.

 وعندها تبدأ العدالة الإدارية في التراجع، ويبدأ الموظفون في التعامل مع القواعد بحسب الأشخاص لا بحسب المبدأ.

كما أن المؤسسة التي لا تراجع أخطاء مسؤوليها تفقد أهم عناصر التطوير، وهو التعلم من الخطأ.

 فالعمل الإداري ليس معصوماً من الأخطاء، حتى أفضل المديرين قد يخطئون في قرار أو تقدير أو إجراء، لكن المشكلة ليست في أن يخطئ المسؤول، وإنما في أن يصبح منصبه سبباً في منع مراجعة خطئه.

وقد يحترم الموظف مديره عندما يخطئ، لكنه لن يحترم إدارة ترى الخطأ وتسكت عنه أو تبحث له عن المبررات.

وهناك فرق كبير بين الاحترام والنفاق الإداري.

 الاحترام أن تحفظ للمسؤول قدره، وأن تختار الوقت والطريقة المناسبة لتنبيهه، فتناقشه في مكتبه، أو ترفع له ملاحظة مهنية، أو تعرض عليه آثار القرار بهدوء وأدب.

أما النفاق الإداري فهو أن تعرف أن القرار خاطئ، ثم تصفق له فقط لأن صاحبه مسؤول كبير.

والمدير الحقيقي لا يريد من يصفق له، وإنما يريد من ينبهه قبل أن يصطدم بالنتائج.

وقد تكون أفضل خدمة تقدمها للمسؤول أن تقول له: «أعتقد أن في هذا القرار مشكلة»، بدلاً من أن تقول له ما يحب سماعه، ثم تتركه يكتشف الخطأ بعد فوات الأوان.

 وهنا يجب أن نفرق بين تصحيح الخطأ وبين التشهير بصاحبه.

 فليس من الحكمة أن تناقش أخطاء المسؤول أمام الموظفين بطريقة تضعف هيبته، كما ليس من الحكمة أن تخفي الخطأ حتى لا تغضبه.

الإدارة الذكية تعرف كيف تحافظ على هيبة المسؤول، وفي الوقت نفسه تحافظ على هيبة النظام.

 لأن المؤسسة التي تحمي الأشخاص على حساب النظام، قد تحافظ على شخص واحد، لكنها تضعف المؤسسة كلها.

 وفي النهاية، ليس العدل أن يكون الموظف الصغير تحت النظام، بينما يكون المسؤول الكبير فوق النظام.

فإذا كان هناك نظام، فيجب أن يطبق بعدل، وإذا كان هناك خطأ، فيجب أن يصحح بحكمة، وإذا كان المسؤول قد أخطأ، فليس عيباً أن ينبه إلى خطئه؛ فالعيب أن يعرف الجميع الخطأ ويصمتوا عنه.

 في الإدارة، لا تقاس صحة القرار بمنصب صاحبه، وإنما بنتائجه ومصلحة المؤسسة.

 والسكوت عن خطأ المسؤول الكبير ليس دائماً حكمة، وقد لا يكون احتراماً، بل قد يكون بداية لمشكلة أكبر.

فالمؤسسة القوية ليست التي لا يخطئ فيها المسؤولون، وإنما التي يستطيع فيها الجميع أن يقولوا: «هذا خطأ» دون خوف، وأن يجدوا من يستمع إليهم ويصحح الخطأ قبل أن يتحول إلى عادة. 

 

بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة