الجزء الأول: مَن الذي غلبنا؟

 قال الله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (القمر: 10 ) ليست هذه الآية مجرد دعاءٍ قيل في لحظة ضيق، وإنما هي مشهد عظيم من مشاهد الصبر على الرسالة، واللجوء إلى الله حين يبلغ الإنسان غاية ما يستطيع من البلاغ والصبر والمواجهة.

فقد واجه نوح عليه السلام قومه زمنًا طويلًا، يدعوهم إلى الله، ويذكّرهم، وينذرهم، ويصبر على تكذيبهم وإعراضهم، حتى بلغ به الأمر أن أعلن بين يدي ربه حقيقة حاله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾.

وليس في هذا الاعتراف ضعفٌ في الإيمان، ولا يأسٌ من رحمة الله، ولا تخلٍّ عن الرسالة؛ بل هو إقرار بحدود القدرة البشرية، وإحالةٌ للنصر إلى الله سبحانه وتعالى. وقد فسّر المفسرون معنى الآية بأن قوم نوح غلبوه بتمردهم وعنادهم، فلم تعد له قدرة على مقاومتهم، فرفع أمره إلى ربه ومن هنا تبدأ وقفة تربوية عميقة مع أنفسنا: مَن الذي غلبنا؟

 كان نوح عليه السلام يقول: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ بعد أن بذل وسعه في الدعوة، وثبت على مبدئه، وتمسك برسالته، ولم يتخلَّ عن الحق بسبب عناد قومه.

أما نحن، فقد تكون الغَلَبة في واقعنا من نوع آخر تمامًا0 قد لا نكون مغلوبين لأننا تمسكنا بالمبدأ حتى عجزنا عن تغييره، وإنما قد نكون مغلوبين لأننا تخلّينا عن بعض مبادئنا تحت ضغط الدنيا، أو استسلمنا لرغباتنا، أو سمحنا للمظاهر أن تحدد قيمتنا، أو جعلنا المال والمكانة والشهرة معايير للنجاح.

قد تغلبنا الرغبة في المال، ويستولي علينا حب الزيادة والكثرة، وتستدرجنا المظاهر، ويأسرنا التنافس على المكانة والجاه، حتى يصبح ما نملكه معيارًا لقيمتنا، وما نظهره للناس أهم مما نبنيه في داخل أنفسنا، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: مَن الذي غلبنا؟

 هل غلبتنا الظروف؟

 أم غلبتنا شهواتنا؟

 أم غلبتنا الدنيا حين تحولت من وسيلة إلى غاية؟

 أم غلبنا حب الجمع والكثرة حتى أصبح الإنسان لا يرى حدًّا لما يريد أن يملك؟

 إن المشكلة ليست في أن يملك الإنسان المال، ولا في أن يسعى إلى تحسين معيشته، ولا في أن يطلب النجاح والتقدم؛ فالدنيا في ذاتها ليست مذمومة، وإنما الخطر أن تنتقل الدنيا من يد الإنسان إلى قلبه، وأن تنتقل من كونها وسيلةً إلى أن تصبح غايةً تحكم اختياراته وتوجّه سلوكه.

 ومن أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الإنسان أن يبدأ حياته بالسعي إلى وسيلة لتحقيق غاية، ثم ينتهي به الأمر إلى جعل الوسيلة غايةً في ذاتها.

يجمع المال ليحقق غاية، ثم يصبح الجمع غايته. ويطلب العلم ليخدم الناس، ثم يتحول العلم إلى وسيلة للمكانة.

ويتولى المسؤولية ليؤدي الأمانة، ثم تتحول المسؤولية إلى امتياز.

ويعمل في التعليم أو الدعوة أو الإصلاح لخدمة الناس، ثم تصبح الصورة الاجتماعية المرتبطة بهذا الدور أهم من الرسالة نفسها.

 وهنا لا تكون المشكلة في المال أو العلم أو المنصب أو الشهرة في ذاتها، وإنما في اختلال العلاقة بين الوسيلة والغاية.

 فالإنسان قد يملك الكثير، لكنه لا ينبغي أن يسمح للكثير أن يملكه.

وقد يزداد في الظاهر، بينما يتناقص في الداخل.

وقد تتسع ممتلكاته، بينما تضيق رسالته.

وقد يكثر ما في يده، بينما يقل ما في قلبه من معنى.

ومن هنا أصبح حب الجمع والكثرة في واقعنا المعاصر ظاهرة تستحق التأمل.

نريد المزيد من المال، والمزيد من الممتلكات، والمزيد من المتابعين، والمزيد من الظهور، والمزيد من العلاقات، والمزيد من الألقاب، والمزيد من الحضور الاجتماعي.

ولا تكمن المشكلة في الزيادة نفسها، وإنما في الأسئلة التي كثيرًا ما نغفل عنها: إلى أي حد؟

 ولماذا؟

 وإلى أين؟

فإذا كان المزيد يعين الإنسان على الخير، ويقوّي قدرته على خدمة الناس، ويوفر له ولأسرته حياة كريمة، فهو سعي مشروع ومحمود في أصله.

أما إذا أصبح المزيد هو المعيار الوحيد للنجاح، فلا شيء يشبع، ولا حدّ يقف عنده الطموح؛ فيدخل الإنسان في سباق دائم مع الآخرين، وربما في سباق دائم مع نفسه.

يجمع لأنه يريد أن يجمع، ويزداد لأنه يخشى أن يقل، ويتنافس لأنه لا يريد أن يتأخر عن غيره وهنا تتحول الحياة من مشروع رسالة إلى مشروع تراكم.

وقد يملك الإنسان كثيرًا، لكنه لا يعرف لماذا يملك.

وقد يصل إلى ما كان يظنه نهاية الطريق، ثم يكتشف أنه لا يزال يبحث عن المزيد. 

ومن صور الغَلَبة التي تحتاج إلى مراجعة أن تغلبنا المظاهر على الحقائق.

قد نهتم بصورة المعلم أكثر من أثره في المتعلم، وبصورة الداعية أكثر من صدقه، وبصورة الباحث أكثر من قيمة بحثه، وبصورة المؤسسة أكثر من جودة رسالتها. وقد ننشغل بما يراه الناس، وننسى ما يعلمه الله.

 وقد نحرص على أن يبدو العمل ناجحًا، بدل أن نسأل: هل أحدث فعلًا أثرًا حقيقيًا؟

 وهذه ليست مشكلة فردية فحسب، وإنما هي مشكلة تربوية أيضًا؛ لأن التربية التي تعتني بالصورة وتغفل الجوهر قد تخرّج إنسانًا يجيد الظهور أكثر مما يجيد البناء.

فالرسالة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الشعارات، ولا بعدد الكلمات، ولا بحجم الحضور، وإنما بما تتركه من أثر في الإنسان، واستقامة في السلوك، ونفع في المجتمع. وهنا نصل إلى نقطة أكثر عمقًا: نوح عليه السلام كان مغلوبًا في المواجهة، لكنه لم يكن مغلوبًا في المبدأ.

وهذه هي المسافة التي ينبغي أن نتأملها جيدًا بين غَلَبة نوح عليه السلام، وغَلَبتنا نحن وللحديث بقية ...........

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي ـ مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي