في خاتمة السلسلة أستطيع القول إن كلمات السر الأربع في تربية الأبناء وصلاحهم هي: اللجوء إلى الله تعالى- الحب- القدوة الحسنة- الصحبة الصالحة.

 ولأن كانت الأسرة بالأمس معنيةً بالتربية والتغذية، فإنه مطلوب منهما اليوم زيادة العناية بالتربية أمام هذه المغريات والمضلات التي تحيط بشبابنا وبناتنا، خصوصًا أيها المربون.

وإن الحرب المعلنة اليوم والقادمة هي حرب على الأسرة بكل مكوناتها؛ حرب تأخذ المرأة وحدها بعيدًا عن أمومتها وبنوتها وأخوتها وزوجيتها، وتنفرد بالطفل وحده منفصلًا عن والديه وإخوته ومعلميه وآدابه، وتبتدع علاقات آثمة بين الرجال والنساء لتسميها زواجًا بعيدًا عن الزواج الشرعي، كل ذلك تحت شعار حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الإنسان والحرية.

لقد بات لزامًا على كل من يمضي نحو الزواج أن يتدرب على تربية الأبناء، وما عليه إلا أن يخضع لدورة تأهيلية للحياة الزوجية، ودورة تأهيلية في تربية الأبناء ونحوهما؛ لأن المرء لا يولد عالمًا.

 فاسمحوا لي أن أختم اليوم بحديث عن التربية بالحب.

 اشترى حكيم بن حزام زيد بن حارثة لعمته خديجة بنت خويلد، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته، فتبناه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويرفق به ويتلطف به، وكان يقول: «لقد كان أحب الناس إليَّ»، ولقبه المسلمون بـ«حب رسول الله صلى الله عليه وسلم».

في يوم من الأيام خرج أبو زيد وعمه لفدائه، فلما وصلا مكة سألا عن النبي صلى الله عليه وسلم وذهبا إليه وخاطباه: يا ابن عبد المطلب، ويا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون الأسير، وتطعمون الجائع، وتغيثون الملهوف، وقد جئناك في ابن لنا عندك، فامنن علينا بفدائه، فإنا سندفع لك في الفداء ما تشاء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هو؟»

قالا: زيد بن حارثة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهلا غير ذلك؟»

 قالا: ما هو؟

 قال: «أدعوه فأخيِّره، فإن اختاركم فهو لكم من فداء، وإن اختارني فما أنا بالذي أختار على من يختارني أحدًا».

 قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت.

قال: فدعاه وقال له: «هل تعرف هؤلاء؟»

قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي.

قال لزيد: «فأنا من قد علمت، فاخترني أو اخترهما».

 فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان أبي والعم.

 انظر كيف رضي هذا الشاب بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف ملك النبي قلبه، ورضي أن يبقى معه.

فهذه التربية بالحب. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

أيها المربون، التربية بالحب أعلى مرتبة، وأمضى أثرًا، وأحسن نتيجة من سائر أنواع التربية وألوانها، ومن مارس مع أبنائه وتلامذته التربية بالحب حصد فيهم الرحمة واللطف والحب والعطف والإحسان إلى الآخرة والتسابق إلى المعالي.

ومن مارس معهم التربية بالقهر والعنف حصد الحقد والحسد والبغض والغل والنقمة على الآخرين.

يؤكد دارسو علم النفس أن الحاجة إلى الحب واحدة من الحاجات النفسية للإنسان، ويترك عدم إشباعها أثرًا خطيرًا في شخصية المرء يظهر في سلوكه وتصرفاته. أُجريت دراسة في عام 2000م على مراكز الأحداث الجانحين في أوروبا، في بلد أوروبي، فوجدت الدراسة أن 48% من الأحداث الذكور و64% من الإناث كانوا ينتمون إلى أسر مفككة، فقدوا فيها إشباع الحاجة إلى الحب.

إن المربي الناجح، والأب الناجح، والأم الناجحة، والمعلم الناجح، هو الذي يروي حاجة ابنه أو تلميذه بالحب، مقتديًا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المربي. 

أما كيف تروي حاجة ابنك للحب؟

 فقد ذكر الدكتور ميسرة طاهر، المتخصص في الصحة النفسية والعلاج النفسي، أن وسائل التربية بالحب هي: كلمة الحب، نظرة الحب، ابتسامة الحب، لقمة الحب، لمسة الحب، دثار الحب، ضمة الحب، قبلة الحب.

سأجعل هذه الثمانية محور المقال في الجزء الثاني؛ لأنها النتيجة العملية للتربية بالحب.

 

 بقلم : عبد الرزاق حسن طبر