قراءة أخرى في قيمة البحر تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الصيد في جيبوتي ينتج نحو ألفي طن سنويًا، في مقابل إمكان قابل للاستغلال المستدام يناهز 38 ألف طن.

تبدو المسافة بين الرقمين، للوهلة الأولى، كأنها 36 ألف طن من الفرصة تنتظر من يخرجها من البحر.

لكن الـ38 ألف طن تخبرنا بما يمكن للمورد أن يتيحه بيولوجيًا، لا بما ينبغي للاقتصاد أن يستخرجه، ولا بما يستطيع أن يصنعه من قيمة.

 فهي لا تقول شيئًا، وحدها، عن تكلفة الطن الإضافي، أو السوق والسعر، أو صافي العائد، أو ما سيحدث للمخزون الذي سيولد إنتاج الغد.

 هنا يبدأ الفرق بين امتلاك المورد وفهم ثروته.

 حين لا يكون المزيد أعلى قيمة يعرف اقتصاد المصايد تمييزًا مهمًا بين «أقصى عائد مستدام» و«أقصى عائد اقتصادي».

 الأول ينطلق أساسًا من قدرة المخزون على إنتاج مصيد مستدام؛ أما الثاني فيبحث عن المستوى الذي يعظم الفارق بين إيرادات الصيد وتكاليفه.

 ولهذا يقع أقصى العائد الاقتصادي، في النموذج المعتاد، عند جهد صيد أقل من ذلك المرتبط بأقصى عائد مستدام.

فالسمك لا يصل إلى السوق بلا قوارب ووقود وعمالة ووقت ورأس مال. 

وقد تستمر الكمية في الزيادة بينما تصبح كل إضافة أكثر كلفة.

فقد تسمح الطبيعة بالمزيد، من دون أن يكون المزيد هو الأعلى قيمة اقتصاديًا.

ويعطي البنك الدولي لهذه الفكرة وزنًا تجريبيًا لافتًا.

ففي دراسة للمصايد البحرية العالمية، قدر فجوة المنافع الاقتصادية الممكنة بنحو 83 مليار دولار سنويًا، وفق نموذج يستند إلى بيانات 2012.

 ولم تكن المشكلة الأساسية نقص كمية المصيد: نسب النموذج 52% من الفجوة إلى ارتفاع تكاليف الصيد، و33% إلى انخفاض قيمة وحدة السمك، و15% فقط إلى انخفاض الكمية.

لا يجوز إسقاط هذه النسب على جيبوتي، لكنها تكشف شيئًا مهمًا:الطن وحدة وزن، لا وحدة قيمة.

وتكشف السوق الجيبوتية وجهًا آخر للفكرة.

 فملف لمنظمة الأغذية والزراعة، اعتمادًا على بيانات 2023، يضع الإنتاج عند 3,186 طنًا والمتاح للاستهلاك عند 5.3 كيلوغرامات للفرد سنويًا، بينما سجلت تجارة المنتجات السمكية في 2022 واردات بقيمة 12.19 مليون دولار مقابل صادرات بنحو 10.74 ملايين.

 لا تناقض هنا.

 فالسمكة الموجودة في البحر ليست بعدُ سلعة بالسعر والجودة والمكان والتوقيت الذي يطلبه السوق.

بينهما حفظ ومعالجة ونقل وتسويق، وقدرة على تقليل الفاقد

ورفع الجودة.

 ولهذا يمكن زيادة قيمة القطاع بزيادة الإنتاج، ولكن أيضًا بزيادة القيمة التي يصنعها الاقتصاد من كل ما ينتجه.

غير أن صافي العائد نفسه لا يكمل الحساب. 

من الدخل إلى الثروة في المحاسبة قد تخبرنا قائمة الدخل بما تحقق خلال العام، بينما تخبرنا الميزانية بما حدث للأصول التي ستولد دخل الأعوام التالية.

والمنطق مفيد في البحر أيضًا: المصيد تدفق، والمخزون أصل منتج.

 لذلك قد تتحسن التدفقات في فترة بينما تضعف قدرة الأصل على توليد تدفقات جديدة.

وهذا ليس مجازًا بيئيًا فحسب.

 فنظام الأمم المتحدة للحسابات البيئية والاقتصادية يتتبع حالة الأصول الطبيعية وتغيرها والخدمات التي تولدها ويربطها بالنشاط الاقتصادي.

أي أن السؤال لا يعود فقط:ماذا أنتج البحر؟

 بل أيضًا: ماذا حدث للبحر أثناء إنتاجه؟

 قيمة ما يبقى في خليج تاجورة وثقت دراسة حديثة 83 فردًا مختلفًا من قرش الحوت خلال خمس سنوات مسحية بين 2017 و2025.

هذا الكائن يولد قيمة سياحية لا عندما يخرج من البحر، بللأنه يبقى فيه.

 وفي 2023 نظمت جيبوتي هذا النشاط بمرسوم يحدد الموسم والوصول، وبحد أقصى عشرة قوارب يوميًا، ويفرض رسومًا على المشغلين والركاب تسهم في مراقبة النشاط، مع حظر الصيد في مناطق الجذب أثناء الموسم.

هنا يصبح القيد جزءًا من النموذج الاقتصادي: أصل طبيعي نادر، وحق وصول منظم، وعائد مرتبط باستخدامه، ورقابة تسعى إلى حماية الأصل الذي يقوم عليه السوق.

الاستدامة هنا ليست موعظة للاقتصاد؛ إنها جزء من منطقه.

 وتتسع الفكرة مع الشعاب المرجانية. ففي مسح شمل 27 موقعًا جيبوتيًا بلغ متوسط الغطاء المرجاني 52%.

 هذه الشعاب تدعم الحياة البحرية والصيد والسياحة وتؤدي خدمات أخرى؛ بعضها يباع في السوق، وبعضها لا يحمل سعرًا ظاهرًا.

وهنا يظهر رقم تكمن أهميته في طريقة قراءته، لا في ضخامته.

 فقد قدر تقييم للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا خدمات الشعاب والمانغروف والأعشاب البحرية في جيبوتي بنحو 11.27 مليار دولار، لكنه أوضح أنه اضطر، لغياب قيم وطنية مباشرة، إلى الاستناد إلى تقديرات من دراسات إقليمية.

 لذلك لا يمثل الرقم «سعر بحر جيبوتي».

لكنه يكشف شيئًا ربما يكون أهم:هناك قيمة ينبغي أن تدخل الحساب الاقتصادي، وإن لم تمر كلها عبر السوق.

ومن هنا تتغير قراءة الـ38 ألف طن التي بدأنا بها.

فالمسؤول لا يحتاج فقط إلى معرفة ما يمكن استخراجه، بل إلى أربعة حسابات:العائد بعد التكلفة، وما يحدث للأصل، وما يتأثر من قيم أخرى، وكيف تتوزع المنافع. لقد نجحت جيبوتي في صنع قيمة كبي رة من موقع يمر عبره الآخرون. 

والفرصة الأوسع اليوم هي أن تصنع مزيدًا من القيمة من أصول تبقى لديها.

فالثروة البحرية ليست فقط ما يدخل الاقتصاد من البحر اليوم، بل ما يبقى في البحر قادرًا على إنتاج قيمة غدًا.

 تلك قيمة تتجدد.

 

 ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان