نريد، ولكن هناك إشكالية... نريد اقتصاداً إسلامياً، لكن الإشكالية أننا بين رجال دين غير متخصصين في الاقتصاد، ورجال اقتصاد غير متخصصين في الدين، وكأننا لا نستطيع الجمع بين المعرفة الشرعية والخبرة الاقتصادية، مع أن الاقتصاد الإسلامي يحتاج إلى الاثنين معاً.

ونريد فكراً سياسياً إسلامياً، لكن الإشكالية أننا بين علماء لا يعرفون دهاليز السياسة وأغوارها، ولا تقلباتها ومتطلباتها الزمنية، وسياسيين لا يعرفون شيئاً عن دينهم ولا عن تاريخهم الحافل بالفكر السياسي الإسلامي.

ونريد تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن الإشكالية أننا بين علماء يرون أن تطبيق الشريعة لا يكتمل إلا بإقامة الحدود، وآخرين في الطرف المقابل لا يريدون أن يكون للإسلام أي نصيب أو وجود في الحياة العملية، وكأن الشريعة لا تتجاوز الحدود عند فريق، ولا مكان لها في حياة الناس عند الفريق الآخر. ونريد عقيدة إسلامية صحيحة، لكن الإشكالية أننا بين شيوخ يرونك منذ الوهلة الأولى قبورياً لأنك صوفي عن جد وعن كابر، ومن يعتقد في المقابل أن مجرد قول لا إله إلا الله، ولو لم يصاحبه عمل أو التزام، يكفي للحكم بصحة العقيدة، دون اعتبار لما قد يقتضيه الإيمان من أقوال وأعمال. ونريد تربية إسلامية، لكن الإشكالية أننا بين من يرى أن التربية الإسلامية تبدأ من المظهر الخارجي، من هيئة وملبس وهيبة، ومن يريد السفور والاختلاط وحرية الملبس وإطلاق العنان للحياة، وكأن التربية إما مظهر خارجي، وإما تحرر من كل ضابط. ونريد أن نجمع بين الأصالة والمعاصرة، لكن الإشكالية أننا بين من يرفض كل جديد لمجرد أنه جديد، ومن يرفض كل ما هو أصيل لمجرد أنه قديم، وكأن الاستفادة من تجارب الآخرين تتعارض مع المحافظة على هويتنا، أو أن المحافظة على هويتنا تعني إغلاق أبواب التطور. هذه وغيرها كثير هي إشكالياتنا. فأين يا ترى تكون نقطة الالتقاء بين هذه الأطراف؟ ومن يكون همزة الوصل بينها حتى يتحاور أصحاب التخصصات والتيارات المختلفة، ويفهم بعضهم بعضاً، ويستفيد بعضهم من بعض؟ لعل الإشكالية الأعمق ليست في وجود هذه الأطراف واختلافها، فالاختلاف أمر طبيعي، وإنما في أن كل طرف قد يرى أنه يملك الحقيقة كاملة، وأن على الآخرين أن يأتوا إليه، دون أن يبذل هو جهداً لفهمهم أو الاستفادة من خبراتهم. فالعالم يحتاج إلى فهم الواقع، والمتخصص يحتاج إلى معرفة الضوابط الشرعية، والسياسي يحتاج إلى مرجعية أخلاقية، ورجل الدين يحتاج إلى فهم تعقيدات الحياة. ولا يغني تخصص عن آخر، كما لا يصح أن يتحول التكامل إلى تنازل عن الثوابت، أو أن يتحول الاختلاف إلى إقصاء متبادل. لسنا بحاجة إلى أن ينتصر طرف على آخر بقدر حاجتنا إلى أن ننتصر جميعاً للعلم والحكمة والمصلحة العامة، وأن ندرك أن خدمة الدين لا تكون بالشعارات وحدها، كما أن إدارة الحياة لا تستقيم بإقصاء الدين عن قيمها ومبادئها. فأين يا ترى نجد همزة الوصل التي تجمع هؤلاء؟ أم سنظل ننتظر حتى يجتمعوا في يوم زينة، فنخرج من بينهما سالمين، وترفع عنا الإشكالية، ونعيش كما نريد وكما يريده لنا ربنا؟ بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة