الجزء الثاني: من دعاء النصرة إلى استعادة الوجهة حين نقرأ دعاء نوح عليه السلام قراءة متأنية، ندرك أنه لم يقل: إن قومي لم يستجيبوا، فسأتخلى عن رسالتي، ولم يقل: إن الطريق صعب، فسأبحث عن طريق أسهل، ولم يجعل تكذيب الناس معيارًا لصحة رسالته. بل ظل قائمًا بما أُمر به، ثابتًا على دعوته، حتى بلغ الأمر غايته، فرفع شكواه إلى ربه، قائلًا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. فالغَلَبة هنا غَلَبة في المواجهة، لا غَلَبة في المبدأ، وعجزٌ عن دفع الأذى، لا تخلٍّ عن الرسالة. أما غَلَبتنا المعاصرة، فقد تتخذ صورة مختلفة؛ أن نعرف المبدأ ثم نتراجع عنه، وندرك الغاية ثم ننشغل عنها، ونعرف قيمة الوقت ثم نهدره، ونؤمن بالأمانة ثم نقدّم مصالحنا الشخصية، وندرك أن الحياة رسالة، ثم نختزلها في الاستهلاك والامتلاك. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحتاج إلى النصرة لأننا عاجزون عن مواجهة الباطل، أم لأننا أصبحنا عاجزين عن مواجهة أنفسنا؟ إن نوحًا عليه السلام طلب النصرة بعدما بذل وسعه في دعوة قومه، ولم يجد منهم استجابة. أما نحن، فقد نحتاج، قبل أن نطلب النصرة، إلى مراجعة صادقة تكشف مواطن الضعف في سلوكنا واختياراتنا. ومن هنا، ينبغي أن يبدأ دعاء النصرة بدعاء المراجعة: هل غلبتنا الدنيا عن الغاية؟ وهل غلبتنا الشهوات عن الاستقامة؟ وهل غلبنا حب المال عن القناعة، والمظاهر عن الحقائق، والشهرة عن الإخلاص، والمصالح عن الأمانة؟ وهل أصبحنا نحرص على أن نبدو صالحين أكثر من حرصنا على أن نكون صالحين؟ ليست هذه الأسئلة لإدانة الإنسان، وإنما لإيقاظه وتنبيهه إلى مواضع الخلل في حياته؛ فالإنسان الذي يكتشف أنه قد غُلِب لا ينبغي أن يستسلم، بل عليه أن يبدأ بالاعتراف والمراجعة. فالاعتراف بالضعف ليس نهاية الطريق، وإنما قد يكون بداية استعادة القوة وتصحيح الوجهة. فما الذي نحتاج إلى الانتصار عليه؟ قد نتصور أن الانتصار يعني التغلب على الآخرين، بينما يحتاج الإنسان أحيانًا إلى انتصار أعمق: أن ينتصر على شهوة لا تنتهي، وطمع يزداد كلما ازداد ما في يده، وحب للظهور، ومقارنة مستمرة بالآخرين، ورغبة في جمع ما لا يحتاج إليه، واستهلاك يستنزف وقته وطاقته، وتناقض بين ما يقوله وما يفعله. ويحتاج كذلك إلى الانتصار على ذلك الجزء من نفسه الذي يعرف الحق، لكنه يؤجله في كل مرة بحجة جديدة. وهنا يصبح الانتصار الحقيقي استعادة الإنسان لوجهته، لا الانتصار على الآخرين فحسب. فليس المطلوب أن نترك الدنيا، وإنما أن نضعها في موضعها الصحيح؛ وليس المطلوب أن نرفض المال، وإنما أن نرفض أن يتحول إلى سيد يتحكم في قراراتنا؛ وليس المطلوب أن نكره النجاح، وإنما أن نعيد تعريفه بحيث لا يكون مقدار ما نملك المقياس الوحيد لقيمتنا. كما أن المطلوب ليس الانسحاب من المجتمع، بل المشاركة فيه بقيمنا ومبادئنا، لا التفريط فيها من أجل الانسجام مع الآخرين. وهنا تتجلى مسؤولية التربية بوضوح؛ فإذا كانت التربية لا تساعد الإنسان على معرفة غايته، وضبط رغباته، وإدارة شهواته، والتمييز بين الحاجة والرغبة، والوسيلة والغاية، والنجاح الحقيقي والنجاح الشكلي، فإنها قد تتركه فريسة لثقافة الاستهلاك والمظاهر والمنافسة. فالتربية الحقيقية لا تقتصر على تنمية قدرة الإنسان على التحصيل والامتلاك، بل تبني قدرته على الاختيار الواعي، وتساعده على فهم أسباب نجاحه وغاياته، وكيفية توظيف ما يملك في خدمة الخير والمجتمع. ولذلك، فإن الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات والمجتمع جميعها مطالبة بإعادة طرح سؤال الغاية: أيَّ إنسان نريد أن نبني؟ أإنسانًا يملك أكثر، أم إنسانًا يعرف كيف يستخدم ما يملك؟ أإنسانًا يبحث عن الصورة، أم إنسانًا يبني الجوهر؟ أإنسانًا يتنافس في الجمع، أم إنسانًا يتنافس في العطاء وصناعة الأثر؟ إن أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يملك الدنيا، وإنما أن يفقد بسببها وجهته؛ فقد يملك المال ويبقى حرًّا، وقد لا يملك الكثير ويبقى قلبه أسيرًا له. وقد يكون الفقير أسيرًا لفكرة الثراء، والغني أسيرًا للخوف من الفقر، وكلاهما مشغول بالدنيا من حيث لا يشعر. فالتحرر الحقيقي لا يُقاس بمقدار ما نملك، وإنما بقدرتنا على وضع ما نملك في موضعه الصحيح، بحيث تبقى الوسائل خادمة للغايات، لا بديلًا عنها. نحتاج إلى أن نتعلم كيف نقول لأنفسنا: سأسعى، ولكن لن أعبد السعي؛ سأعمل، ولكن لن أجعل العمل يبتلع رسالتي؛ سأطلب الرزق، ولكن لن أجعله غايتي الكبرى؛ سأطمح، ولكن لن أسمح للطموح أن يقتل القناعة؛ سأمتلك، ولكن لن أسمح للممتلكات أن تمتلكني؛ وسأحرص على صورتي أمام الناس، ولكن لن أجعل نظرتهم معيارًا لقيمتي. قال نوح عليه السلام: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. كان دعاؤه تعبيرًا عن حال نبي ثبت على رسالته وبذل وسعه، ثم لجأ إلى ربه حين ضاقت به سبل المواجهة. أما نحن، فنحتاج إلى أن نستحضر الآية بابًا للمراجعة قبل أن نجعلها مجرد طلب للنصرة، وأن نسأل أنفسنا عما غلبنا عن غاياتنا، وصرفنا عن مبادئنا، وأضعف قدرتنا على الوفاء برسالتنا. ربنا، إن غلبتنا الدنيا فلا تجعلها غايتنا، وإن غلبتنا الشهوات فردّنا إلى الاستقامة، وإن غلبتنا المظاهر فردّنا إلى الحقائق، وإن غلبنا حب المال والكثرة فارزقنا القناعة وحسن التوجيه، وإن غلبتنا الفتن فثبّت قلوبنا، وإن غلبتنا أنفسنا فأعنّا عليها، وإن أبعدتنا الوسائل عن الغايات فردّنا إلى الطريق. فالانتصار الحقيقي ليس أن نغلب الآخرين، ولا أن نجمع أكثر منهم، ولا أن نظهر أمامهم بصورة أفضل؛ وإنما أن نستعيد أنفسنا حين تغلبنا الدنيا، ومبادئنا حين تضغط علينا المصالح، ورسالتنا حين تزدحم أمامنا المغريات. ولعل أصدق ما نحتاج إليه اليوم أن نقول: يا رب، إننا مغلوبون بما يصرفنا عنك وعن غاياتنا، فانصرنا على ما استولى على قلوبنا، وأعدنا إلى وجهتنا، وردّنا إليك ردًّا جميلًا. فليست القضية كم جمعنا، ولا كم ملكنا، ولا كيف ظهرنا أمام الناس؛ وإنما القضية: ماذا بقي من الإنسان فينا؟ وماذا بقي من الرسالة؟ وإلى أين يمضي بنا هذا الجمع كله؟ هناك تبدأ المراجعة، وهناك يبدأ الانتصار الحقيقي. بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرِّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي (CFEN)