بمناسبة اليوم العالمي للمعلم، اختُتمت صباح اليوم الموافق 12/10/2026م فعاليات الاحتفاء بالمعلم وتقدير مكانته وجهوده، في إطار اليوم الوطني للابتكار والبحث الإجرائي في التعليم، الذي نظّمته وزارة التربية والتكوين المهني بالتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وذلك في قصر الشعب، تحت شعار: «المعلم في صلب التحول التربوي في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي: تعزيز مهنة التدريس، وتطوير كفاءاتها، وصياغة مدرسة الغد».

وفي سياق المشاركات العلمية التي شهدتها هذه الفعاليات، قدّمتُ تجربةً تربويةً تناولتُ فيها أولوية تنمية الذكاء التربوي لدى المعلم في عصر الذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من سؤال جوهري: هل نريد من الذكاء الاصطناعي أن ييسّر إنتاج المحتوى التربوي فحسب، أم أن يسهم في تحسين جودة التعليم والتعلّم والبحث الإجرائي؟ وقد سعت هذه التجربة إلى نقل النقاش من حدود إتقان الأدوات الرقمية إلى عمق القرار التربوي الذي يوجّه توظيفها، انطلاقًا من أن القيمة الحقيقية للتقنية لا تتحدد بما تنتجه من محتوى فحسب، بل بما يحققه استخدامها الواعي من تحسين في تعلم المتعلمين وتطوير الممارسة المهنية للمعلم.

يشهد المجال التربوي تحولات متسارعة بفعل تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت قادرة على إعداد الخطط الدراسية، وتصميم الأنشطة التعليمية، وإنتاج الموارد التربوية، وتقديم التغذية الراجعة الأولية، والمساعدة في تحليل بيانات المتعلمين.

 وقد أوجدت هذه الإمكانات فرصًا واعدة لتيسير مهام المعلم، وتنويع طرائق التدريس، ومراعاة الفروق الفردية. غير أن الاستفادة الحقيقية منها لا تتوقف على امتلاك الأدوات أو إتقان تشغيلها، بل تتطلب القدرة على توجيهها نحو أهداف تعليمية واضحة.

فقد ينتج الذكاء الاصطناعي خطة درس متكاملة في دقائق، تتضمن أهدافًا وأنشطة ووسائل للتقويم، من دون أن تكون بالضرورة ملائمة للمستوى الفعلي للمتعلمين، أو مستجيبة لصعوباتهم، أو منسجمة مع ظروف البيئة التعليمية.

ومن هنا، فإن جودة المنتج لا تضمن جودة القرار التربوي الذي يوجّه استخدامه؛ فقد يبدو المحتوى منظمًا وجذابًا من الناحية الشكلية، لكنه يعجز عن معالجة المشكلة التعليمية الحقيقية.

ويتجلى الفرق في نمطين من الممارسة المهنية: معلم يتمحور حول الأداة، وينطلق مما تستطيع التقنية إنتاجه، ثم يبحث عن موضع لإدماجه في الدرس؛ ومعلم ينطلق من المتعلم وحاجاته، فيشخّص الصعوبة، ويحدّد الهدف، ثم يختار الأداة أو الوسيلة الأنسب لتحقيقه.

وقد يقرر المعلم الواعي الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، أو تعديل مخرجاته، أو استخدام وسيلة تعليمية أخرى، أو الاستغناء عنه حين لا يضيف قيمة حقيقية إلى عملية التعلم.

وهنا تكمن النقلة النوعية المنشودة: ألا تقود الإمكانات التقنية العملية التعليمية، بل توجّهها الحاجات التعليمية؛ وألا يصبح المعلم تابعًا لما تنتجه الأدوات، بل قائدًا لعملية توظيفها. فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون وسيلة تخدم القرار التربوي، لا بديلًا عن التفكير المهني الذي يصنع ذلك القرار.

لا يقتصر الذكاء التربوي على معرفة التقنيات الحديثة أو القدرة على تشغيل تطبيقاتها، بل يمثل كفاية مهنية مركبة تمكّن المعلم من فهم المواقف التعليمية وتحليلها، وتشخيص مشكلاتها، واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها، وتقويم نتائجها، وتطوير ممارساته استنادًا إلى الأدلة.

ويمكن تعريف الذكاء التربوي لدى المعلم، من منظور إجرائي، بأنه قدرته على تشخيص حاجات المتعلمين ومشكلاتهم، وتحليل السياق التعليمي، وتحديد الأهداف، واختيار الموارد والأدوات وتوظيفها توظيفًا نقديًا وأخلاقيًا، والتحقق من مخرجاتها، وتقويم أثر التدخلات التعليمية، ثم تطوير الممارسة في ضوء النتائج.

ويتجسد هذا الذكاء في كفايات متكاملة؛ أولها تشخيص حاجات المتعلمين من خلال تحليل أدائهم وتحديد مصادر الصعوبات، بدل الاكتفاء بملاحظة مظاهرها. وثانيها صياغة أهداف تعليمية واضحة قابلة للملاحظة والقياس، ومرتبطة بالمشكلة المشخّصة.

وثالثها اختيار الوسائل المناسبة، رقميةً كانت أم تقليدية، وفق طبيعة المهمة والإمكانات المتاحة.

 ورابعها التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي من حيث صحتها العلمية واللغوية والتربوية، وعدم قبولها لمجرد سلامة صياغتها أو حسن تنظيمها.

وتشمل هذه الكفايات أيضًا تكييف الموارد التعليمية مع مستويات المتعلمين وخصائصهم اللغوية والثقافية، ومراعاة السياق الصفي والمنهج الدراسي والزمن والإمكانات المتاحة.

كما تستلزم حكمًا مهنيًا وأخلاقيًا يحمي خصوصية المتعلمين وبياناتهم، ويراعي العدالة وتجنب التحيز، ويُبقي المسؤولية النهائية عن القرارات التعليمية في يد المعلم.

ولا تكتمل هذه المنظومة إلا بتقويم أثر الممارسة باستخدام أدلة مناسبة، مثل نتائج التقويم، وملاحظات الأداء، وأنماط أخطاء المتعلمين، وقدرتهم على توظيف ما تعلموه في مواقف جديدة.

وبذلك، يمكن تنظيم المسار المهني للذكاء التربوي في خطوات مترابطة: شخِّص، وحدِّد الهدف، واختر الأداة، وتحقّق من المخرجات، وكيِّف المحتوى، وطبِّق، وقوِّم الأثر، ثم تأمّل وطوّر.

وهذه الخطوات ليست إجراءات آلية منفصلة، بل إطار مرن لاتخاذ القرار، يتكيّف مع طبيعة الموقف التعليمي واحتياجات المتعلمين.

لنفترض أن معلمًا لاحظ صعوبة لدى عدد من المتعلمين في التمييز بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية. 

يمكنه أن يطلب من أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي إعداد درس حول الموضوع، فيحصل على شرح وأمثلة وتمارين جاهزة.

لكن هذا المحتوى، على الرغم من اكتماله الظاهري، قد لا يعالج المشكلة إذا كان مصدرها ضعف فهم بنية الجملة، أو العجز عن تطبيق القاعدة داخل النصوص، أو الاعتماد على الحفظ بدل الفهم.

أما المعلم الذي يمتلك ذكاءً تربويًا، فيبدأ بتحليل إجابات المتعلمين، وتصنيف الأخطاء المتكررة، وتحديد مصادر الصعوبة، ثم يصمم تدخلًا تعليميًا مناسبًا.

وقد يستعين بالذكاء الاصطناعي لتوليد أمثلة متدرجة، أو أنشطة تشخيصية، أو نصوص قصيرة تتناسب مع مستويات المتعلمين.

وبعد تنفيذ التدخل، يقارن أداءهم قبل التطبيق وبعده، ويتحقق من مدى تحقق الهدف، ثم يقرر الاستمرار أو التعديل وفق النتائج.

 ويظهر الفرق كذلك في طبيعة الطلب الموجّه إلى الأداة.

فطلب «أعدّ درسًا عن المفعول به» قد ينتج محتوى عامًا، بينما يساعد الطلب الذي يحدد مستوى المتعلمين، وطبيعة الصعوبة، والهدف المطلوب، ومؤشرات التحسن، على إنتاج مقترحات أكثر ارتباطًا بالمشكلة التعليمية.

ومع ذلك، فإن دقة صياغة الطلب لا تضمن صحة المخرجات أو ملاءمتها؛ إذ تظل المراجعة والتحقق والتكييف مسؤولية المعلم.

ومن هنا، لا يتمثل معيار النجاح في عدد الأدوات التي يستخدمها المعلم، ولا في سرعة إنتاج المواد التعليمية، بل في مدى إسهام قراراته في تحسين تعلم المتعلمين.

 فقد يكون رفض مخرج غير دقيق أو غير ملائم دليلًا على كفاءة مهنية أعلى من قبوله دون مراجعة، كما أن عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في موقف لا يحتاج إليه قد يكون القرار الأكثر حكمة.

وهكذا، يتضح أن الفارق الحقيقي لا يكمن في قدرة المعلم على إنتاج المزيد من المحتوى، بل في قدرته على تحديد ما يحتاج إليه المتعلم، واختيار ما يناسبه، والتحقق من أثره.

فالتقنية قد تتيح بدائل كثيرة، لكن الحكم التربوي الواعي هو الذي يحدد أيّها أجدى، ولمن، وفي أي سياق.

 

وللحديث بقية .............. بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرِّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي (CFEN)