الخلط بين الولاء والطاعة يقع كثير من المديرين في خطأ إداري، وهو الاعتقاد بأن الموظف المطيع هو بالضرورة الموظف المخلص، وأن الموظف الذي يعارض بعض قراراتهم أو يناقشها ليس موالياً لهم.

 والحقيقة أن الولاء والطاعة ليسا شيئاً واحداً، وإن كان بينهما ارتباط. الموظف المطيع هو الذي ينفذ ما يطلب منه، أما الموظف الوفي فهو الذي يحرص على مصلحة المؤسسة ونجاحها، حتى لو اضطر إلى تنبيه مديره إلى خطأ في قراره.

فقد يقول الموظف: حاضر، وهو يعلم أن القرار غير مناسب، خوفاً من مديره أو رغبة في إرضائه، بينما يقول موظف آخر: أعتقد أن هناك مشكلة في هذا القرار، ويشرح أسباب اعتراضه حرصاً على نجاح العمل. الفرق أن الأول قد يبحث عن رضا المدير، بينما ينظر الثاني إلى مصلحة المؤسسة.

وليس معنى ذلك أن كل معارضة دليل على الإخلاص، أو أن كل طاعة دليل على الخوف، وإنما العبرة بالدافع وراء الموقف، وبمدى ارتباطه بمصلحة العمل. والمدير الذي يريد من موظفيه الموافقة على كل ما يقول، دون نقاش أو مراجعة، قد يريح نفسه مؤقتاً، لكنه يعرّض مؤسسته للخطر.

 فهو مع مرور الوقت يحيط نفسه بأشخاص لا يخالفونه، ولا ينبهونه إلى أخطائه، ولا يقدمون له البدائل الأفضل. وعندما يتخذ قراراً خاطئاً، قد يجد الجميع يوافقون عليه، ثم يتحمل العمل كله نتائج ذلك القرار.

 وكم من مؤسسة لم تكن مشكلتها نقص الكفاءات، وإنما عجز تلك الكفاءات عن التعبير عن آرائها، إما خوفاً من المدير، أو بسبب تجارب سابقة علمتهم أن الصمت أسلم من الكلام.

ومن هنا، فإن المدير الناجح لا يقيس ولاء الموظف بمدى موافقته له، بل بمدى حرصه على العمل، وصدقه في إبداء رأيه، واستعداده لتحمل المسؤولية.

فإذا اعترض موظف على قرار، فلا ينبغي أن يتعامل المدير مع اعتراضه باعتباره تحدياً لسلطته، بل عليه أن يستمع إليه، ويفهم أسبابه، ثم يقرر بناءً على الحجة والمصلحة، لا على الغضب الشخصي.

ومن واجب المدير أيضاً أن يهيئ بيئة يستطيع فيها الموظف التعبير عن رأيه دون خوف، وأن يشجع من ينبه إلى الأخطاء، حتى لو كانت تلك الأخطاء صادرة عنه شخصياً.

فالموظف الذي يعرف أن الصراحة لن تضر بمستقبله الوظيفي سيكون أكثر استعداداً للكلام، أما إذا رأى أن الموافقين يكافؤون والمخالفين يعاقبون، فسيتعلم سريعاً أن يقول ما يريد المدير سماعه، لا ما يحتاج المدير إلى معرفته.

ومع ذلك، فإن إبداء الرأي لا يعني تعطيل القرارات أو رفض التعليمات لمجرد الاختلاف.

فالاعتراض المهني له أدبه وأسلوبه، وبعد أن تناقش المسألة ويتخذ القرار وفق الصلاحيات، يكون الالتزام بتنفيذه هو الأصل، ما دام مشروعاً ولا يخالف الأنظمة أو القواعد المهنية.

فالولاء يجمع بين الصراحة في إبداء الرأي والمسؤولية في تنفيذ القرارات.

ليس من الإدارة أن تبحث عن موظفين يوافقونك في كل شيء، وإنما أن تبني فريقاً يثق بك بما يكفي ليصارحك، ويحترمك بما يكفي ليختلف معك بأدب، ويخلص للمؤسسة بما يكفي ليقدم مصلحتها على رغبته في إرضائك.

 الموظف الذي يوافقك دائماً قد يحمي رضاك، أما الموظف الذي ينبهك إلى الخطأ فقد يحمي مؤسستك.

 والإدارة الحكيمة لا تخشى الرأي المخالف، بل تخشى أن تصل إلى مرحلة لا يجرؤ فيها أحد على قول الحقيقة.

 

بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة