الإنسانية ليست حكرًا على الصالحين الإنسانية، يا لها من كلمة غريبة للغاية!

 كلمة غالبًا ما نستخدمها للإشارة إلى الجانب الصالح من البشر؛ الجانب الأخلاقي، والجانب الجميل والحسن، لدرجة تجعلك تظن أن الإنسان أشبه بالملائكة، ملاكًا حسنًا لا ندبة فيه.

صحيح أن الصفات التي ذكرناها صفات إنسانية، إلا أنها ليست كل شيء.

فكلمة الإنسانية أكبر مما نعبّر عنه أحيانًا؛ لأنها، وبكل صراحة، لا تعني أن الإنسان ملاك منزّه عن كل شر.

نعم، يستطيع الإنسان أن يكون صالحًا، كما أخبرنا الله عن أناس كانوا ينفقون أموالهم في الليل والنهار، سرًّا وعلانية: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 274]. وقد يكون رحيمًا، كما أخبرنا الله عن الذين يطعمون الطعام للمسكين واليتيم والأسير:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]. كما قد يكون قدوة في العمل الصالح، قال تعالى:﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61].

 وقد يساعد الآخرين ويؤثرهم على نفسه، قال تعالى:﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

كل ذلك صحيح؛ فالإنسان كائن قادر على أن يرتقي بأعماله إلى مراتب الإحسان والإيثار.

لكن، وبكل بساطة، هذا ليس الجانب الوحيد من الإنسان. ففي النهاية، كل ذلك لا يجعله ملاكًا قديسًا، منزّهًا عن الخطأ أو الشر أو السوء؛ لأنه، وبكل بساطة، بشر.

إنه إنسان يفسد ويصلح، ويخطئ ويفعل الخير. قد يقتل، كما أخبرنا الله عن ابن آدم الذي قتل أخاه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30].

وقد يكون متوحشًا أيضًا، كما حدث مع أصحاب الأخدود الذين عذّبوا المؤمنين وأحرقوهم:﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ۝ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ۝ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: 4-7]. وقد يكون متعدّيًا مانعًا للخير، قال تعالى:﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ۝ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: 11-12]. وقد يكون طاغيًا كافرًا بالنعمة، قال تعالى:﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7].

صحيح أننا نرفض أفعاله، ونسميها بمسمياتها، بل نحاسبه عليها أيضًا، لكن ذلك لا يعني أن نجرّده من إنسانيته.

فقد يسرق السارق مالًا، ثم يرى مسكينًا فيتصدق عليه. وقد يؤذي شخصًا، ثم يندم على أذاه. وقد يعيش سنوات يفعل فيها أشياء لا يفتخر بها، ثم يأتي يوم يقرر فيه أن يتغير. لأنه إنسان.

 فكلمة الإنسانية ليست حكرًا على الصالحين. الأفعال السيئة لا تُخرج الإنسان من إنسانيته، وإنما هي أفعال تصدر عنه، وقد تتغير بتغيّره. ولهذا، فمن الظلم حقًّا لهذه الكلمة «الإنسانية» أن نستخدمها للإشارة إلى الجانب النبيل من الإنسان فقط، ثم نجعل ارتكابه للشر سببًا لنزع إنسانيته عنه.

 فالقدرة على الخطأ والتغيّر والتوبة أيضًا جزء من التجربة الإنسانية. والله سبحانه وتعالى يفتح باب التوبة، مهما عظمت الذنوب، قال تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].

تأمل في هذه الكلمة: «الذين أسرفوا». فالله سبحانه وتعالى ناداهم بقوله: «يا عبادي»، رغم ما ارتكبوه من ذنوب في حق أنفسهم. الإنسان، بطبيعته، كائن أخلاقي متعلّم، قد يفسد، لكنه، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قابل للتغيّر.

قد يكون اليوم مسيئًا، ثم يصبح غدًا من أهل الخير. فمجرد حادث، أو موقف عابر، أو كلمة بسيطة، قد تدفع الإنسان إلى تغيير فكرته وطبعه، والأهم من ذلك، تصرفاته ومعتقداته.

إن الإنسان ليس أسيرًا دائمًا لأفعاله الماضية، وما دام حيًّا، فباب التغيير مفتوح أمامه.

وهذا بالفعل ما حدث معي. أنا لا أبرر أفعال أي شخص يرتكب الأخطاء، وإنما أقول فقط إنه يظل إنسانًا، مهما فعل.

وفي الحقيقة، لم أفكر يومًا في أنني سأندم على ما كنت أتاجر به من قبل، لولا حدوث هذه القصة معي.

كنت في الماضي أعمل لدى رجل يُدعى «الجامع». كان رئيسًا لمنظمة تُسمّى «مخلّصو الهواتف» داخل المدينة.

 كنا نعمل معًا ضمن فريق واحد، سعيًا إلى تأمين لقمة عيشنا وإعالة عائلاتنا، وهذا ما يسعى إليه كل إنسان.

ولعل الاختلاف الوحيد كان في الطريقة التي نتبعها لتحقيق ذلك، أو بالأحرى، هكذا كنت أظن.

لم تكن هذه المنظمة مجرد مجموعة من سارقي الهواتف، بل كانت منظومة متكاملة ومتناغمة في عملها.

كان لدينا جواسيس منتشرين في أنحاء المدينة، وكانت مهمتهم الاستطلاع وجمع المعلومات، بينما كان آخرون يعملون في الميدان؛ فهم رأس الحربة في هذه المنظومة، إذ يسرقون الهواتف ثم يفرّون بعيدًا عن الأنظار.

وهنا يأتي دور المجموعة الثالثة في هذه المنظومة، وهي المجموعة التي أنتمي إليها.

كانت لدينا غرفة خاصة بالعمليات الإلكترونية، نتولى فيها مهام مثل فك شيفرات الهواتف، وتعقّب بعض الشخصيات المهمة، والبحث عن الأرقام السرية لمحافظ الضحايا. 

وكانت المقتنيات تنقسم إلى قسمين:

  1. المقتنيات المهمة: كانت تُكتب على أغلفتها أسماء أصحابها، وأعمالهم، وأسباب أهمية هذه المقتنيات بالنسبة إليهم؛ لتُستخدم لاحقًا وسيلةً للضغط عليهم وابتزازهم.
  2. 2. المقتنيات غير المهمة: كانت هذه المقتنيات تُعاد تدويرها أو تُباع مباشرة.
  3. كانت الأمور تسير بصورة طبيعية، وفقًا لما خُطّط له، إلى أن جاء ذلك اليوم؛ اليوم الذي غيّر كل شيء.
  4.  في أحد الأيام، وبعد أن أنهكني العمل الشاق هناك، خرجت من المخبأ متجهًا إلى منزلي. وفي الطريق، كنت أتساءل، كما اعتدت أن أفعل: هل ما أقوم به عمل صحيح حقًّا
  5.  وهل يمكن أن أكون سببًا في تعاسة شخص ما؟
  6. ثم أبدأ، كالمعتاد، في التماس الأعذار لنفسي حتى لا أشعر بالذنب.
  7. فأقول: «في النهاية، لست أنا من يسرق، وإنما أقوم ببعض الأعمال المتعلقة بالأرقام.
  8. وحتى لو تركت العمل، فسيأتي المدير بشخص آخر ليحلّ مكاني.
  9. فماذا سأستفيد من ذلك؟ لن أجني سوى قطع مصدر رزقي الوحيد».
  10. كنت أعلم تمامًا أن ما أفعله غير أخلاقي قبل أن يكون غير قانوني.
  11.  لكنني، بطريقة ما، كنت ألقي اللوم على الحكومة، قائلًا في نفسي: «لو كانت لديّ وظيفة جيدة، لما اضطررت إلى فعل هذا».
  12.  ومع ذلك، لم أكن مستعدًّا للبحث عن عمل آخر؛ فقد كنت أكتفي بإلقاء اللوم تارةً على الأقدار، وتارةً أخرى على الحكومة.
  13. كنت أعلم أن ما أقوله ليس سوى أعذار أختلقها لنفسي، لكنها كانت تمنحني شعورًا زائفًا بالرضا.
  14.  ومع ذلك، لم أكن يومًا فخورًا بعملي؛ لأن شيئًا ما في أعماق قلبي لم يكن راضيًا عنه.
  15. كان ذلك الشعور يلازمني منذ بداية عملي هذا، لكنني كنت أتجاهله كلما استحضرت الحسابات المادية واختلقت الأعذار لنفسي.
  16.  دخلت المنزل، وتوجهت إلى غرفتي، ثم ألقيت بجسدي على السرير من شدة التعب.
  17. غلبني النوم دون أن أتناول العشاء، من فرط الإرهاق، وأنا لا أدرك أن ما سيحدث في اليوم التالي سيغيّر حياتي رأسًا على عقب.
  18.  بقلم : حسن علي وابري