الإنسانية ليست حكرًا على الصالحين الإنسانية، يا لها من كلمة غريبة للغاية!
صحيح أن الصفات التي ذكرناها صفات إنسانية، إلا أنها ليست كل شيء.
كل ذلك صحيح؛ فالإنسان كائن قادر على أن يرتقي بأعماله إلى مراتب الإحسان والإيثار.
إن الإنسان ليس أسيرًا دائمًا لأفعاله الماضية، وما دام حيًّا، فباب التغيير مفتوح أمامه.
وفي الحقيقة، لم أفكر يومًا في أنني سأندم على ما كنت أتاجر به من قبل، لولا حدوث هذه القصة معي.
كنت في الماضي أعمل لدى رجل يُدعى «الجامع». كان رئيسًا لمنظمة تُسمّى «مخلّصو الهواتف» داخل المدينة.
كنا نعمل معًا ضمن فريق واحد، سعيًا إلى تأمين لقمة عيشنا وإعالة عائلاتنا، وهذا ما يسعى إليه كل إنسان.
ولعل الاختلاف الوحيد كان في الطريقة التي نتبعها لتحقيق ذلك، أو بالأحرى، هكذا كنت أظن.
لم تكن هذه المنظمة مجرد مجموعة من سارقي الهواتف، بل كانت منظومة متكاملة ومتناغمة في عملها.
وهنا يأتي دور المجموعة الثالثة في هذه المنظومة، وهي المجموعة التي أنتمي إليها.
وكانت المقتنيات تنقسم إلى قسمين:
- المقتنيات المهمة: كانت تُكتب على أغلفتها أسماء أصحابها، وأعمالهم، وأسباب أهمية هذه المقتنيات بالنسبة إليهم؛ لتُستخدم لاحقًا وسيلةً للضغط عليهم وابتزازهم.
- 2. المقتنيات غير المهمة: كانت هذه المقتنيات تُعاد تدويرها أو تُباع مباشرة.
- كانت الأمور تسير بصورة طبيعية، وفقًا لما خُطّط له، إلى أن جاء ذلك اليوم؛ اليوم الذي غيّر كل شيء.
- في أحد الأيام، وبعد أن أنهكني العمل الشاق هناك، خرجت من المخبأ متجهًا إلى منزلي. وفي الطريق، كنت أتساءل، كما اعتدت أن أفعل: هل ما أقوم به عمل صحيح حقًّا
- وهل يمكن أن أكون سببًا في تعاسة شخص ما؟
- ثم أبدأ، كالمعتاد، في التماس الأعذار لنفسي حتى لا أشعر بالذنب.
- فأقول: «في النهاية، لست أنا من يسرق، وإنما أقوم ببعض الأعمال المتعلقة بالأرقام.
- وحتى لو تركت العمل، فسيأتي المدير بشخص آخر ليحلّ مكاني.
- فماذا سأستفيد من ذلك؟ لن أجني سوى قطع مصدر رزقي الوحيد».
- كنت أعلم تمامًا أن ما أفعله غير أخلاقي قبل أن يكون غير قانوني.
- لكنني، بطريقة ما، كنت ألقي اللوم على الحكومة، قائلًا في نفسي: «لو كانت لديّ وظيفة جيدة، لما اضطررت إلى فعل هذا».
- ومع ذلك، لم أكن مستعدًّا للبحث عن عمل آخر؛ فقد كنت أكتفي بإلقاء اللوم تارةً على الأقدار، وتارةً أخرى على الحكومة.
- كنت أعلم أن ما أقوله ليس سوى أعذار أختلقها لنفسي، لكنها كانت تمنحني شعورًا زائفًا بالرضا.
- ومع ذلك، لم أكن يومًا فخورًا بعملي؛ لأن شيئًا ما في أعماق قلبي لم يكن راضيًا عنه.
- كان ذلك الشعور يلازمني منذ بداية عملي هذا، لكنني كنت أتجاهله كلما استحضرت الحسابات المادية واختلقت الأعذار لنفسي.
- دخلت المنزل، وتوجهت إلى غرفتي، ثم ألقيت بجسدي على السرير من شدة التعب.
- غلبني النوم دون أن أتناول العشاء، من فرط الإرهاق، وأنا لا أدرك أن ما سيحدث في اليوم التالي سيغيّر حياتي رأسًا على عقب.
- بقلم : حسن علي وابري

