التدخين آفة عالمية، وأضراره عابرة للحدود، غير أنه في الآونة الأخيرة تضاعفت سلبياته في مجتمعنا حتى غدا ظاهرة مقلقة تستوجب المصارحة. لقد تجاوز كونه عادة شخصية أو خيارا فرديا، ليتحول إلى سلوك عام يبعث على الإزعاج ويلحق الأذى، ويتجلى ذلك بأوضح صورة في الأماكن العامة، ولا سيما في وسائل النقل الجماعي، في تلك الحافلات الصغيرة التي نسميها تاتا، حيث ترى من يشعل سيجارته دون أن يلقي بالا لمن حوله.

 إنه سلوك لا يردعه دين، ولا تضبطه عادات، ولا تحكمه أعراف، ولا تمليه أبسط قواعد اللياقة الإنسانية. سحابة دخان خانقة تخنق أنفاس الأطفال، وتؤذي النساء، وتضيق على كبار السن والمرضى، في حيز مغلق لا منفذ فيه ولا مهرب منه.

 والأدهى من ذلك، أنه إذا ما تقدمت إليه بلطف ورجوت منه أن يطفئ سيجارته احتراما لمن معه، رماك بتلك العبارة القصيرة المستفزة التي صارت محفوظة على الألسنة: دفعت ثمنها من جيبي!

وكأن ما دفعه من جيبه يمنحه صكا لإيذاء خلق الله واستباحة أنفاسهم.

يا أخي، أجل، دفعت ثمنها من جيبك، لكن صحتنا ليست للبيع، وصدورنا لم تكن ضمن الصفقة. إن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين وسلامتهم.

أنت حر في أن تدخن داخل بيتك، فذاك شأنك، أما أن ترغمنا على التدخين معك كرها، فليس من الحرية في شيء. إن ما تفرضه علينا يسمى في لغة الطب التدخين السلبي، وهو - بشهادة الأطباء - أشد فتكا وأخطر أثرا من التدخين المباشر نفسه.

لقد نهى ديننا الحنيف عن الضرر والإضرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار. وربتنا عاداتنا الأصيلة على احترام المجلس، وتوقير الكبير، والرفق بالصغير. وتقتضي المروءة ألا تؤذي جليسك.

والحل، بصراحة، ليس عسيرا، ويقوم على ركنين: أولهما: تفعيل القانون.

لا بد من تطبيق حازم وصارم لقانون منع التدخين في وسائل النقل العام والأماكن المغلقة والمكاتب الحكومية، فالقانون بلا تطبيق يظل حبرا على ورق.

وثانيهما: الوعي.

يجب أن يدرك المدخن أن الرجولة ليست في سيجارة بين إصبعين، بل في احترام الناس، وأن التحضر ليس شعارا يرفع، بل سلوك يمارس. 

إن التدخين يقتل صاحبه ببطء، وهذا شأنه إن أصر، أما أن يقتلنا معه، فهذا ما لا نقبله ولن نقبله أبدا.

بصراحة.. دفعت ثمنها من جيبك، لكنك تستهلك صحتنا مجانا. 

 

بقلم: الأستاذ يوسف مؤمن راجه استاذ بالجامعة