لم أصدق الأمر في البداية؛ لأنني لم أجد في الهاتف أي شيء ذي قيمة. لا ملفات سرية، ولا مقاطع مهمة.

لم أتوقف عند هذا الحد، بل بحثت في جميع التطبيقات التي قد تحتوي على أرشيف لشيء ما، إلا أنني لم أجد شيئًا يُذكر.

 كيف يُعقل ذلك؟

 أكلُّ ما غامرت لأجله، عملي وثقة مديري، لم يكن سوى مجرد هاتف عادي؟

 ربما أخطأ أحد الموظفين في كتابة الملاحظة عليه؟

 لا، لا، لا يمكن أن تكون هذه المعلومات مجرد خطأ كتابي.

خلعت حذائي، وأخذت حمامًا دافئًا، ثم غيّرت ملابسي.

 شغّلت التلفاز وأنا أشعر بخيبة أمل كبيرة إزاء ما حدث معي.

وبينما كنت جالسًا على أريكتي، أقلب قنوات التلفاز بملل، خطرت ببالي فكرة عبقرية.

عدت إلى الغرفة، وأخذت الهاتف، ثم فتحت تطبيق «الرفاهية الرقمية» لأعرف أكثر التطبيقات استخدامًا، وبهذا يسهل عليَّ اكتشاف المزيد عن صاحبه.

 كانت الصدمة! لم يكن التطبيق الذي استحوذ على اهتمام صاحبه تطبيقًا سريًّا، ولا أرشيفًا لشيء غامض، بل كان مجرد تطبيق «دفتر الملاحظات».

 غمرتني الدهشة.

 أيُّ طالب يستخدم هذا التطبيق إلى هذا الحد؟

 لم أنتظر طويلًا حتى امتدت يدي إليه.

 هنا بدأت أكتشف أن سر الأهمية يكمن في هذا التطبيق.

 فما رأيته لم يكن مجرد كراسات أطفال أو ملاحظات عابرة، بل كان أكثر من ذلك بكثير.

 بدأت أشك في أن صاحب الهاتف طالب في المرحلة المتوسطة؛ إذ يصعب عليَّ تصديق أن طالبًا في هذه المرحلة يستطيع كتابة كل هذا الكم من النصوص، ولا سيما في هذا الزمن.

 والأكثر غرابة أن كل شيء كان مرتبًا ترتيبًا مدهشًا؛ فقد كانت الملاحظات موزعة على مجلدات منظمة: مجلد للقصص، وآخر للمقالات، وثالث للامتحانات، ورابع للرسائل، ومجلدات أخرى... هنا توقفت أتساءل: أهذا كاتب أم مجرد طالب؟

فقراءة كل هذه القصص والمقالات تستغرق وقتًا طويلًا، ناهيك عن كتابتها.

 لم أعرف ماذا أفعل سوى أن أقرأ بعضًا من هذه الكتابات. اخترت في البداية مجلد «القصص».

كان يضم عشرات القصص والروايات، منها الاجتماعي والأدبي والرومانسي.

بدأت القراءة. ظننت أنني سأملُّ منها سريعًا، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ فقد تنقلت من قصة إلى أخرى، ولم أقرأ قصة إلا وتأثرت بها.

 أضحك تارة، وأحزن تارة، وأتعجب تارة أخرى. ولأكون صريحًا، فقد بكيت في بعض الأحيان.

كانت الفكرة، والتسلسل، والكلمات، وطريقة السرد، كلها في غاية الروعة والإبداع.

حقًّا، لقد أبدع هذا الشاب رغم صغر سنه.

قلت في نفسي: إن هذا الطالب كاتب أكثر من كونه طالبًا.

ثم انتقلت إلى مجلد المقالات، الذي ضمَّ هو الآخر عشرات المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

 مرةً يتحدث بلسان سياسيٍّ مقنع، ومرةً بلسان مذيع محايد.

ومرةً يتحدث نيابةً عن الشعب، وعن الوطن، وعن المضطهدين والمظلومين والأبرياء، بل عن الناس جميعًا.

 وفي أحيان أخرى، يتحدث بصفته شخصًا مستقلًّا في رأيه؛ شخصًا متمردًا، يتمنى الكثير، لكنه، للأسف، لا يجد سوى القليل.

 ومن بين تلك المقالات، ما زلت أتذكر حتى يومنا هذا مقالين لن أنساهما ما حييت.

الأول بعنوان «أحلام باتت أسيرة الواقع»، والثاني بعنوان «كذبة العمر».

ما زلت أذكر كيف ختم المقال الأول بجملة واحدة ظلت تتردد في رأسي طويلًا: «لتبقى مرددًا... أليس الصبح بقريب؟».

أما المقال الثاني، «كذبة العمر»، فقد ختمه بسؤالين لم أستطع تجاوزهما: «هل هذه هي الحياة البهية التي كانت تنتظرنا؟

 ويبقى السؤال الأهم: هل هم من ضلوا الطريق، أم أن هذا هو الواقع المرير؟».

ثم تماديت قليلًا، وانتقلت إلى مجلد الرسائل. لكنني لم أستطع القراءة؛ ليس لأنني لم أعد قادرًا على القراءة، بل لأن شيئًا ما في داخلي لم يسمح لي بذلك.

تساءلت: لماذا لم أشعر بهذا الشعور عندما قرأت بقية الملاحظات؟

 لكنني سرعان ما أدركت السبب.

 إنه ضميري؛ فلم يسمح لي بمواصلة ما كنت أفعله.

عندها أدركت أنني ما زلت إنسانًا، إنسانًا يمتلك إحساسًا وأخلاقًا.

 قد نتجاوز أخلاقنا أحيانًا، لكننا نظل نحمل في داخلنا شعورًا لا يفارقنا، ولا نستطيع أن نفخر بما فعلناه مهما طال الزمن.

وبينما كنت أتصفح الملاحظات واحدة تلو الأخرى، وقعت عيناي على قصة لم تكن موجودة في مجلد القصص، بل كانت منفصلة عن بقية الملفات.

كان عنوانها «قصة حياتي».

ربما كان صاحبها يستعد لنشرها أو طباعتها. 

ضغطت عليها وبدأت القراءة.

قرأت، ثم واصلت القراءة، حتى أدركت أنني لا أقرأ مجرد قصة عن شاب يعيش في مدينة ما، أو طالب يدرس في مدرسة ما، بل أقرأ قصة محارب مجهول؛ محارب لم يكن السيف في متناول يديه، ومع ذلك لم يستسلم أبدًا.

رغم أن الحياة لم تنصفه في بعض الأحيان، فإنه ظل صلبًا في مواجهة العقبات والصعاب.

كان شرفًا لي أن أقرأ قصته، وأن أتعرف إلى عالمه وكتاباته.

 

بقلم : حسن علي وابري