لا يُبنى الذكاء التربوي بالتدريب على تشغيل التطبيقات وحده، بل ينمو من خلال الممارسة التأملية، والبحث الإجرائي، والتعلم المستمر المرتبط بالمشكلات الحقيقية داخل الصف.

 فالخبرة المهنية لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة قابلة للتطوير ما لم تخضع للتحليل، وتُختبر الافتراضات المرتبطة بها، وتُجمع الأدلة على نتائجها.

 ويتيح البحث الإجرائي للمعلم الانتقال من الانطباع إلى الفحص المنظم، ومن تكرار الممارسة إلى تطويرها، ومن معالجة الأعراض الظاهرة إلى البحث عن الأسباب المحتملة للمشكلة التعليمية.

 وتبدأ هذه العملية بتحديد مشكلة واضحة، وجمع الشواهد الدالة عليها، وتحليل أسبابها، وصياغة سؤال إجرائي، ثم تصميم تدخل مناسب وتنفيذه وتقويم أثره.

وفي المثال السابق، يمكن للمعلم أن يصوغ السؤال الآتي: «هل يسهم توظيف أنشطة تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بعد تكييفها وفق حاجات المتعلمين، في تحسين قدرتهم على التمييز بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية داخل النصوص؟».

 ثم يحدد أدوات جمع البيانات، ومؤشرات الأداء، وآلية المقارنة بين النتائج قبل التدخل وبعده، بما يسمح بالحكم على مدى التحسن في المهارة المستهدفة.

ولا يكفي أن يلاحظ المعلم ارتفاع مستوى التفاعل أو إعجاب المتعلمين بالنشاط؛ بل ينبغي أن يتحقق من حدوث تحسن فعلي في التعلم. 

كما لا يصح أن ينسب كل تحسن إلى التقنية وحدها، من دون مراعاة طبيعة التدخل، وطرائق تنفيذه، والظروف التي أحاطت به.

فالبحث الإجرائي ليس وسيلة لإثبات نجاح الأداة مسبقًا، وإنما منهج لفحص الممارسة، وتحديد ما يصلح منها، ولمن يصلح، وفي أي ظروف.

وهكذا، يصبح الذكاء الاصطناعي موردًا يمكن أن يدعم دورة البحث الإجرائي، بدءًا من تشخيص المشكلة وصياغة السؤال، مرورًا بتخطيط التدخل وتنفيذه وجمع الأدلة وتحليل النتائج، وصولًا إلى التأمل في الممارسة وتطويرها.

وبهذا يتحول استخدام التقنية من نشاط يقتصر على إنتاج المحتوى إلى فرصة للتعلم المهني المنظم وتحسين الممارسة الصفية.

 إن الانتقال من إتقان الأدوات إلى جودة القرار التربوي يستدعي إعادة النظر في أولويات تكوين المعلمين؛ بحيث لا يقتصر التدريب على التعريف بالتطبيقات الرقمية وطرائق تشغيلها، بل يمتد إلى بناء الكفايات التي تمكّن المعلم من توظيفها بوعي في مواقف تعليمية حقيقية.

 فالتحدي لم يعد مجرد تمكين المعلم من استخدام التقنية، وإنما إعداده لاتخاذ قرارات تربوية رشيدة في بيئة تعليمية تتزايد فيها الإمكانات الرقمية وتتعدد فيها مصادر المعرفة. وفي هذا الإطار، يمكن لمركز التكوين للتربية الوطنية (CFEN) أن يؤدي دورًا محوريًا في بناء الذكاء التربوي من خلال تطوير التكوين الأولي والمستمر، وربطهما بالممارسة الصفية والبحث الإجرائي.

 ففي التكوين الأولي، ينبغي أن يتدرب المعلم على تشخيص حاجات المتعلمين، وتحليل المواقف التعليمية، وصياغة الأهداف، وتصميم التدخلات، واختيار الموارد المناسبة، والتحقق من المخرجات الرقمية، ومراعاة الضوابط الأخلاقية والمهنية.

 أما التكوين المستمر، فمن الضروري أن ينتقل من السؤال: «كيف أستخدم هذه الأداة؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف أتخذ قرارًا تربويًا مناسبًا باستخدام هذه الأداة؟».

ويمكن تحقيق ذلك من خلال دراسة حالات صفية واقعية، وتحليل نماذج من المخرجات الرقمية، ومقارنة بدائل التدخل، وتجريب أنشطة علاجية، ومناقشة نتائجها في مجتمعات تعلم مهنية يتبادل فيها المعلمون خبراتهم وشواهد أدائهم.

ويكتمل هذا التوجه بربط برامج التكوين بالبحث الإجرائي، وإتاحة الفرصة للمعلمين لدراسة مشكلاتهم الصفية، واختبار الحلول المقترحة، وتوثيق النتائج، والاستفادة منها في تحسين ممارساتهم وتطوير برامج التكوين.

 كما يتطلب اعتماد تقويم قائم على الأداء والأثر، لا يكتفي بقياس القدرة على تشغيل التطبيقات أو إنتاج محتوى رقمي، بل يفحص قدرة المعلم على تشخيص المشكلة، واتخاذ القرار، وتبرير اختياراته، والتحقق من المخرجات، وتحليل شواهد التعلم.

ويمكن الاستفادة في ذلك من خطط الدروس، والملاحظات الصفية، وملفات الإنجاز المهني، وتقارير البحث الإجرائي، ونتائج أداء المتعلمين. وينبغي التمييز بين مؤشرات نمو كفايات المعلم ومؤشرات تحسن تعلم المتعلمين، وبين التحسن الملحوظ والنتائج التي تدعمها أدلة كافية.

 فالتكوين الفاعل ليس ما يثبت أن المعلم تعرّف إلى أداة جديدة، بل ما يكشف عن تطور قدرته على اتخاذ قرارات أفضل، وتحسين ممارسته، وإحداث أثر تعليمي يمكن التحقق منه.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في الذكاء التربوي يمثل استثمارًا في جودة مهنة التدريس واستدامة تطويرها؛ لأنه ينقل المعلم من موقع المستهلك للمحتوى الرقمي إلى موقع الممارس الناقد والباحث الذي ينتج المعرفة من واقع تجربته، ويستفيد من التقنية دون أن يتنازل لها عن مسؤوليته المهنية.

إن التحول الرقمي لا يفرض على المعلم مجرد اكتساب مهارات تقنية جديدة، بل يدعوه إلى تطوير أساس ممارسته المهنية: فهم المتعلم، وتشخيص الصعوبات، واتخاذ القرار المناسب، والتحقق من الموارد، وتقويم الأثر، والتعلم المستمر من الممارسة.

 فالمعلم الذي ينتج خطة درس في ثوانٍ ليس بالضرورة أكثر كفاءة من غيره؛ لأن الكفاءة لا تُقاس بسرعة الإنجاز وحدها، بل بمدى ملاءمة الخطة لحاجات المتعلمين، ووضوح أهدافها، وفاعلية أنشطتها، وقدرتها على تحقيق تعلم يمكن التحقق منه.

وبالمثل، فإن كثرة استخدام الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة تقدمًا مهنيًا، كما أن الاستغناء عنه في موقف معين لا يدل على ضعف الكفاءة الرقمية؛ فقد يكون ذلك استجابة واعية لطبيعة الموقف وحاجات المتعلمين.

إن التحدي الحقيقي أمام مؤسسات تكوين المعلمين، وفي مقدمتها مركز التكوين للتربية الوطنية (CFEN)، هو الإسهام في إعداد معلم لا يكتفي بإتقان الأدوات، بل يمتلك الذكاء التربوي الذي يوجّه استخدامها، ويعرف متى يستعين بها، ولماذا يستخدمها، وكيف يراجع مخرجاتها، ومتى يعدّلها أو يرفضها.

 ويتطلب ذلك تكوينًا يربط المعرفة بالممارسة، والممارسة بالتأمل، والتأمل بالبحث الإجرائي، والبحث بتقويم الأثر والتحسين المستمر.

فالذكاء الاصطناعي قد يسرّع إنتاج المحتوى، لكنه لا يضمن وحده جودة التعلم؛ وقد يتيح بدائل متعددة، لكنه لا يحدد بمفرده البديل الأنسب لكل متعلم وسياق.

إن جودة التعليم تبدأ بسؤال تربوي صحيح، وتتجسد في قرار مهني واعٍ، وتُختبر بأدلة تكشف عن أثر الممارسة في تعلم المتعلمين.

 لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس أن نُخرّج معلمًا يجيد استخدام مزيد من الأدوات، بل أن نبني معلمًا يحسن التفكير والتشخيص والاختيار والتحقق والتقويم، ويستطيع أن يحوّل الإمكانات التقنية إلى فرص حقيقية لتحسين التعلم.

ومن هنا، تتحدد وجهة التطوير المهني في الانتقال من معلم يسأل: «ماذا تستطيع الأداة أن تنتج؟» إلى معلم يسأل: «ماذا يحتاج المتعلم، وما القرار التربوي الأنسب لتحقيق تعلم أفضل؟».

ذلك هو جوهر الذكاء التربوي، وتلك هي الضرورة المهنية التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي.

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي