العوالم وما حوت، والأنفس وما انطوت، والقلوب وما وعَت، بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويقبض ويبسط، له الحكم وإليه ترجعون.
الدنيا ومن فيها، والآخرة ومبانيها، والإنس والجن، والصراط والميزان والحوض والدواوين وما يليها، خلق من خلق الله، يأمر فيه سبحانه وينهى، لا يشركه في حكمه حاكم، له الحكم وهو أسرع الحاسبين.
سعي الآباء، وأمل الأبناء، ورجاء المعلمين والمربين والصلحاء والعلماء، كل ذلك بيد الله، بيد من بيده مقاليد الأرض والسماوات، سبحانه، كل يوم هو في شأن.
شأنه سبحانه أنه يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويكشف همًّا، وينصر مظلومًا، ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيًا. ومن شأنه أنه يصلح أولادًا، ويغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفي مريضًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة.
شأنه سبحانه أنه يعز ذليلًا، ويذل عزيزًا، ويعطي سائلًا، ويحفظ مسافرًا، ويرد غائبًا، ويتولى مفقودًا، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين؛ فهو سبحانه المتصرف وحده في الممالك كلها. لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه معارض.
فمهما التجأت إلى الله في صلاح أولادك ورشادهم، وفي سداد أبنائك وسعادتهم، فقد لجأت إلى ركن وثيق، واعتمدت على القوي المتين.
بعد كل ما سمعت في هذه السلسلة من أساليب وطرائق في تربية الأبناء، وما عرفته من أهم احتياجاتهم ومخاطر تربيتهم، وما يمكن غرسه في نفوسهم من قيم ومبادئ، اعلم أن التوفيق بيد الله وحده، وأنه لا حول لك ولا قوة إلا به؛ فالجأ إليه وتضرع بين يديه، وسله صلاح أولادك ونجابتهم.
الدعاء مفتاح الصلاح والتوفيق كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم»، ويشير إلى دعوة إبراهيم عليه السلام التي وردت في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وذكرت كتب التراجم عن إبراهيم بن أدهم، العابد الزاهد، أن أباه لما علم بحمل امرأته دعا العلماء والصلحاء، وصنع لهم طعامًا، فلما فرغوا من الأكل قال لهم: ادعوا الله أن يرزقني ولدًا صالحًا، فإن امرأتي حامل.
فدعوا له، وكان من ثمرة ذلك أن رزقه الله تعالى إبراهيم بن أدهم، الذي عُرف بالعلم والعبادة والزهد. إن الدعاء والالتجاء إلى الله من أعظم ما يستعين به الوالدان في تربية أبنائهما، فمهما بلغت خبرة المربي، ومهما امتلك من وسائل التربية وأساليب التأثير، فإنه لا يملك القلوب، ولا يضمن الهداية والتوفيق؛ وإنما عليه أن يبذل الأسباب، ثم يفوض الأمر إلى الله تعالى.
ومن هنا، فإن الدعاء ليس بديلًا عن التربية والعمل، بل هو ركن عظيم من أركانهما، يستعين به الوالدان على أداء رسالتهما، ويرجوان به من الله أن يبارك في جهودهما، وأن يجعل أبناءهما من أهل الصلاح والاستقامة.
يتبع في الجزء الثاني: شواهد من القرآن والسنة على أثر الدعاء في صلاح الأبناء
بقلم: عبد الرزاق حسن طبر