دعاء الوالدين وأثره في حياة الأبناء
لقد وجدت في القرآن الكريم نماذج عظيمة تبين أثر الدعاء والالتجاء إلى الله في صلاح الذرية، ومن أبرزها دعاء امرأة عمران لابنتها مريم عليها السلام.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 35-37]. تأملوا هذا الدعاء العظيم؛ فقد سألت امرأة عمران ربها أن يتقبل ابنتها، وأن يحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم، فاستجاب الله لها، وتقبل مريم بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا. وفي موضع آخر، نرى نبي الله زكريا عليه السلام يلجأ إلى ربه، ويسأله الذرية الصالحة، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 38-39]. لقد توجه زكريا عليه السلام إلى الله بقلب موقن، يسأله ذرية طيبة، فاستجاب الله دعاءه، ورزقه يحيى عليه السلام، الذي جعله نبيًّا من الصالحين.
وفي السنة النبوية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده أو لولده».
وهذا الحديث يلفت أنظار الآباء والأمهات إلى خطورة الدعاء وأهميته، ويدعوهم إلى أن يجعلوا ألسنتهم عامرة بالدعاء لأبنائهم بالهداية والصلاح والتوفيق، وأن يحذروا الدعاء عليهم في لحظات الغضب والانفعال.
وأقول، وكل اعتقادي بما أقول: ما أنا إلا دعوة أمي وأبي، ورزق حلال أطعماني إياه، وهمة نفخاها فيَّ. إنني لا أذكر يومًا إلا وأنا أرى والديَّ على سجادتهما أو بين يدي قرآن، يدعوان لأولادهما.
إن للدعاء أثرًا كبيرًا في حياة المسلم عامة، ولدعاء الوالدين أثرًا عظيمًا في صلاح الأبناء وتوفيقهم؛ فالوالدان اللذان يكثران من الدعاء لأبنائهما، ويصبران على تربيتهم، ويأخذان بأسباب إصلاحهم، يجمعان بين التوكل على الله والعمل بالأسباب.
فكم ردَّ الدعاء من شارد، وكم قرَّب الدعاء من بعيد، وكم كان الدعاء سببًا في إصلاح أحوال الأبناء وتغيير مسارات حياتهم! وقد قال أحد العلماء إنه كان في سفر، وكانت تصله من أصحابه رسائل وكتب، وكان يحب رسالة أحدهم وينتظرها.
فقيل له: لماذا؟ فقال: لأنه كان يستهل كتابه بقوله: «أصلحني الله وإياك بما أصلح به عباده الصالحين».
ثم بيّن أن الصالحين لم يصلحهم ذكاؤهم وحده، ولا غناهم ولا قوتهم، وإنما أصلحهم الله تعالى ووفقهم لطاعته.
فإذا أردت لأبنائك الصلاح، فاسأل مصلح الصالحين أن يصلحهم، ولا تيأس من الدعاء مهما رأيت من تقصيرهم أو ابتعادهم، بل اجمع بين الدعاء لهم، وحسن توجيههم، والصبر على تربيتهم.
بقلم: عبد الرزاق حسن طبر