الجزء الأول: حين تصبح العادة أقوى من قيمة الوقت ليس الوقت مجرد ساعات تتعاقب، ولا دقائق تنقضي على هامش الحياة؛ بل هو الوعاء الذي تتشكل فيه أعمال الإنسان، وتُبنى من خلاله خبراته، وتتحقق به أهدافه، وتتحدد في ضوئه ملامح تقدمه الفردي والاجتماعي.

 ومن ثم، فإن علاقة المجتمعات بالوقت ليست مسألة تنظيمية عابرة، بل مرآة تعكس منظومة القيم، ومستوى الوعي، وطبيعة التنشئة الاجتماعية، وأنماط التفكير والسلوك. ومن هذا المنطلق، تبرز في بعض الممارسات الاجتماعية داخل المجتمع الصومالي ظاهرتان تستحقان التأمل والنقد التربوي: هدر الوقت في أنشطة وأحاديث محدودة الجدوى، وضعف الالتزام بالمواعيد في بعض التعاملات الاجتماعية والمهنية والمؤسسية.

وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد عادة مألوفة لا تستدعي الوقوف عندها؛ غير أن النظر في آثارها يكشف أنها قد تتجاوز السلوك الفردي لتؤثر في جودة العمل، وكفاءة المؤسسات، واحترام الالتزامات، وفرص التعلم والإنتاج والإنجاز.

ولا تكمن الإشكالية في المجالس الاجتماعية ذاتها؛ فالمجالس من فضاءات التواصل والتكافل وتبادل الخبرات، ولها مكانتها في بنية المجتمع الصومالي.

وإنما تكمن في اختلال التوازن حين تتحول بعض المجالس إلى استنزاف طويل للوقت في أحاديث متكررة، أو جدالات عقيمة، أو قيل وقال لا يفضي إلى معرفة نافعة أو قرار مثمر، في مقابل التساهل في مواعيد العمل والتعلم والاجتماعات والوفاء بالالتزامات.

 وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يتسع الوقت للجلوس ساعات طويلة، ثم يضيق حين يتعلق الأمر بموعد أو واجب أو فرصة للتعلم والإنجاز؟

 إن من المظاهر الجديرة بالتأمل إطالة الجلوس في بعض المجالس دون غاية واضحة، والانشغال بأحاديث لا تضيف معرفة معتبرة، ولا تسهم في حل مشكلة، ولا تفضي إلى قرار أو إنجاز؛ مع أن الوقت نفسه كان يمكن استثماره في التعلم، أو العمل، أو التخطيط، أو تنمية المهارات، أو حتى الراحة المقصودة التي تجدد النشاط وتعين الإنسان على مواصلة مسؤولياته. غير أن الحكم على جدوى الوقت لا ينبغي أن يُختزل في الإنتاج المادي وحده؛ فالتواصل الإنساني حاجة اجتماعية ونفسية، وقد تؤدي المجالس دورًا مهمًّا في تعزيز الروابط الأسرية، وتبادل المشورة، وتخفيف الأعباء، وترسيخ التضامن الاجتماعي.

والفارق، إذن، ليس بين الاجتماع وعدم الاجتماع، بل بين تواصل يحقق غاية إنسانية مشروعة، واستغراق غير منضبط في أحاديث لا تنتهي، حتى يصبح قضاء الساعات بلا هدف واضح سلوكًا مألوفًا لا يثير التساؤل أو المراجعة. فالمشكلة تبدأ حين تفقد المجالس قدرتها على تحقيق التوازن بين متعة اللقاء وحقوق الالتزامات الأخرى، وحين تتحول الألفة الاجتماعية من قيمة داعمة للحياة إلى مبرر لتأجيل الأعمال وتضييع الفرص.

وتتعمق المشكلة حين لا يُنظر إلى الوقت بوصفه موردًا محدودًا له تكلفة وفرص بديلة؛ فالساعة التي تُستهلك في نشاط قليل الجدوى ليست مجرد ساعة انقضت، بل قد تكون فرصة ضائعة للتعلم، أو أداء واجب، أو تطوير مهارة، أو إنجاز عمل مؤجل.

 وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن يلتفت إليها النقد التربوي: قد لا يشعر الإنسان بأنه يهدر وقته ما دام يمارس سلوكًا مألوفًا داخل محيطه الاجتماعي، حتى لو كانت حصيلته محدودة.

 فاعتياد السلوك لا يثبت بالضرورة جدواه، وشيوعه لا يعفيه من المراجعة.

 وإذا كان هدر الوقت يمثل أحد وجهي الإشكالية، فإن ضعف الالتزام بالمواعيد يمثل وجهها الآخر، وربما كان أشد أثرًا في الحياة المشتركة؛ لأن الموعد ليس رقمًا في جدول، بل التزام أخلاقي وعملي يربط الفرد بالآخرين، ويجعل التعاون ممكنًا، ويؤسس للثقة المتبادلة.

فحين يتأخر شخص عن موعد محدد دون عذر معتبر، فإنه لا يستهلك وقته وحده، بل قد يهدر وقت الآخرين أيضًا.

 وحين يتكرر التأخر عن الاجتماعات والدروس والأعمال والمواعيد المهنية، تتجاوز المشكلة حدود التأخر العابر لتؤثر في الانضباط، وتعطل المصالح، وتضعف كفاءة العمل المشترك.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما يُتعامل مع الموعد بوصفه تقديرًا تقريبيًّا لا التزامًا ينبغي الوفاء به، أو عندما يصبح الاعتذار عن التأخر إجراءً شكليًّا لا تصحبه مراجعة للسلوك أو محاولة لمنع تكراره.

ففي هذه الحالة، لا يعود الخلل متعلقًا بإدارة الوقت وحدها، بل يمتد إلى إدراك حقوق الآخرين، وتحمل المسؤولية، واحترام الاتفاقات.

 فالالتزام بالموعد ليس مجاملةً لمن ينتظرنا، بل اعترافٌ صريح بأن لوقته قيمة، وأن مسؤولياته لا تقل أهمية عن مسؤولياتنا.

وتستحق المفارقة بين إطالة الجلوس والتأخر عن المواعيد وقفةً جادة؛ فقد يجد بعض الناس متسعًا من الوقت للقاءات العفوية، ثم يجدون صعوبة في الحضور في الوقت المحدد لإنجاز عمل أو حضور اجتماع أو المشاركة في نشاط تعليمي.

ولا ينبغي تفسير ذلك بالتسرع في إصدار الأحكام على الأفراد، بل بالبحث في المعايير الاجتماعية التي تحدد ما يستحق الالتزام، وما يُعد قابلًا للتأجيل، ومدى إسهام البيئة المحيطة في ترسيخ احترام الموعد أو التسامح مع الإخلال به.

 وتكتسب القضية بُعدًا أعمق حين تُناقش في مجتمع يستمد جانبًا مهمًّا من منظومته القيمية من التعاليم الإسلامية.

 فالوقت في التصور الإسلامي مرتبط بالمسؤولية والعمل والعبادة والوفاء بالعهد ومحاسبة الإنسان على عمره.

وقد أقسم الله تعالى بالعصر، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، في دلالة على عظم شأن الزمن واتصال خسارة الإنسان بما يضيعه من فرص العمر والعمل.

كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾، مؤكدًا مسؤولية الوفاء بالعهود والالتزامات. وفي السنة النبوية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»؛

وهو حديث ينبه إلى أن الفراغ قد يتحول من نعمة إلى خسارة حين لا يُحسن الإنسان استثماره.

ولا يعني ذلك اتهام المجتمع الصومالي بالتناقض مع دينه، ولا افتراض أن جميع أفراده يمارسون هذه السلوكيات؛ وإنما المقصود مساءلة الفجوة التي قد تنشأ بين القيم المعلنة والممارسات اليومية.

 فمعرفة قيمة الوقت لا تعني بالضرورة تحويلها إلى عادة راسخة، كما أن الاستشهاد بالنصوص الدينية لا يكفي وحده لضمان احترام المواعيد أو حسن تنظيم الحياة.

 وهنا تتجلى إحدى المعضلات التربوية المهمة: ليس كافيًا أن يعرف الإنسان قيمةً ما؛ بل ينبغي أن يتدرب على ممارستها حتى تصبح جزءًا من سلوكه اليومي.

فما الذي يجعل بعض الممارسات تستمر حتى تصبح جزءًا من العرف الاجتماعي؟

وكيف تتشكل علاقة الفرد بالوقت داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع؟

وهل يكمن الخلل في ضعف الوعي، أم في غياب القدوة، أم في التساهل المؤسسي، أم في تفاعل هذه العوامل مجتمعة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل المدخل الضروري للانتقال من نقد الظاهرة إلى فهم أسبابها والبحث عن سبل معالجتها.

وللحديث بقية .................................

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرِّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي «CFEN»