بصراحة، لم تعد الإشاعة مجرد كلمة عابرة أو خبرا كاذبا، بل تحولت في زمننا إلى آفة من أخطر آفات العصر، ووباء اجتماعي خطير يفتك بوعي المجتمع ويهدد سلمه وتماسكه. قديما، كانت الإشاعة تزحف ببطء، تحتاج أياما وأسابيع لتعبر من قرية إلى قرية.

 أما اليوم، في عصر الثورة الرقمية، فقد اختصر الزمن. بضغطة زر واحدة على واتساب أو فيسبوك أو تيك توك، تنطلق الشائعة من قلب العاصمة جيبوتي لتبلغ في ثوان معدودة علي صبيح وتجورة وابخ ودخل، بل تتجاوز الحدود لتصل إلى العالم بأسره.

وبضغطة زر واحدة أيضا، تتحول الكذبة إلى حقيقة مزيفة يتداولها الآلاف، تزرع الشك، وتشوه السمعة، وتفرق بين المرء وأهله، وتهدم بيوتا عامرة، وتزعزع الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.

 إن الإشاعة اليوم سلاح فتاك، لا يقل خطرا عن الرصاصة، لأن الرصاصة تقتل فردا، بينما الإشاعة قد تقتل مجتمعا بأكمله.

لماذا تنتشر الإشاعة بهذه السرعة؟

 أولا:فوضى النشر وسهولته في زمن الهاتف الذكي، أصبح كل شخص يملك منبرا إعلاميا، يبث من خلاله ما يشاء دون حسيب أو رقيب، ودون أدنى شعور بالمسؤولية المهنية أو الأخلاقية.

ثانيا: غياب الثقافة الإعلامية أصبحنا أمام شهية مفرطة لإعادة النشر دون تمحيص. نتلقى الخبر، خاصة إن كان مثيرا أو يمس شخصية عامة، فنعيد إرساله فورا، وكأننا في سباق محموم لنشره أولا، دون أن نسأل: هل هذا صحيح؟

 ثالثا: الفراغ القاتل فراغ الوقت لدى شريحة واسعة من الشباب حولهم من طاقات منتجة إلى مستهلكين سلبيين لأخبار مضللة، يقضون الساعات في تتبع الشائعات بدلا من استثمار وقتهم في العلم والعمل والبناء.

كيف نواجه هذا الوباء؟

 المواجهة لا تكون بالقوانين وحدها، بل بوعي جماعي ومسؤولية فردية.

1.قاعدة التثبت والتبين:وهي القاعدة الذهبية.

 لا تنشر قبل أن تتأكد.

توقف لحظة واسأل نفسك: من المصدر؟

 هل هو جهة رسمية موثوقة مثل وكالة الأنباء الجيبوتية ADI، أو وزارة الداخلية، أو بيان حكومي رسمي؟

إن لم يكن كذلك، فالتوقف عن النشر هو عين الحكمة.

2. إحياء الضمير :إن لكل منا رقيبا داخليا، هو ضميره. هذا الضمير هو الحاسة السادسة التي يجب أن تنبهنا: هذا الخبر يضر ولا ينفع، يشوه ولا يبني، فلا تكن جسرا له.

3. استشعار المسؤولية الكاملة: تذكر جيدا أنك حين تعيد نشر إشاعة، فأنت لست مجرد ناقل، بل أنت شريك أصيل في صناعتها ونشر ضررها.

 أنت مسؤول أمام الله تعالى، وأمام القانون، وأمام ضميرك ومجتمعك عن كل حرف تنشره.

 وقد وضع لنا ديننا الحنيف منهجا واضحا لا لبس فيه، دستورا إعلاميا ربانيا خالدا، فقال عز وجل محذرا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6] صدق الله العظيم.

في الختام،إن المعركة ضد الإشاعة هي معركة وعي. فلنختر جميعا أن نكون في صف الحقيقة، جنودا لمحاربة الشائعة بالكلمة الصادقة والمعلومة الموثقة، لا جنودا لنشرها وتضخيمها. 

 

بقلم: يوسف مؤمن راجة - أستاذ الإعلام بالجامعة