الجزء الثاني: من نقد العادة إلى بناء ثقافة الالتزام إن فهم ظاهرة هدر الوقت وضعف الالتزام بالمواعيد يقتضي الانتقال من سؤال: ماذا يفعل الناس؟ إلى سؤال أعمق: كيف تشكلت علاقتهم بالوقت؟ وما العوامل التي تجعل بعض الممارسات تستمر حتى تصبح جزءًا من العرف الاجتماعي؟ فالعادات لا تنشأ في فراغ، ولا تستمر دائمًا عن اقتناع واعٍ؛ بل قد تتشكل بفعل التنشئة الأسرية، وأنماط العلاقات الاجتماعية، وطرائق تنظيم العمل، وطبيعة المؤسسات، ومستوى المساءلة، والرسائل الضمنية التي يتلقاها الفرد حول قيمة الالتزام. ومن هذا المنطلق، يمكن طرح عدد من الفرضيات التربوية التي تستحق البحث، دون التعامل معها بوصفها أحكامًا نهائية على المجتمع الصومالي. أولى هذه الفرضيات أن التربية قد تنجح في تعليم قيمة الوقت نظريًّا، لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في تدريب المتعلم على إدارته عمليًّا. فقد يسمع الطفل عبارات كثيرة عن أهمية الوقت، لكنه لا يتدرب على التخطيط ليومه، أو احترام المواعيد، أو تقدير وقت الآخرين، أو ترتيب الأولويات، أو التمييز بين النشاط النافع والنشاط الذي يستنزف جهده دون غاية واضحة. وهكذا تبقى القيمة حاضرة في الخطاب، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى كفاية سلوكية. وثاني هذه الفرضيات أن القدوة العملية قد تكون أشد تأثيرًا من التوجيه اللفظي. فإذا نشأ الطفل في بيئة تتكرر فيها مواعيد التأخر، ويُتسامح فيها مع الإخلال بالالتزامات، فقد يتعلم من الممارسة اليومية أن احترام الموعد أمر ثانوي، حتى لو سمع في الوقت نفسه توجيهات تؤكد أهمية الانضباط. فالتربية لا تتم بما نقوله للأبناء فحسب، بل بما يرونه منا أيضًا؛ وحين يتعارض الخطاب مع السلوك، غالبًا ما تصبح الممارسة المشاهدة رسالة تربوية أقوى من النصيحة المسموعة. أما الفرضية الثالثة، فتتعلق ببعض الأعراف الاجتماعية التي قد تمنح المجالس واللقاءات العفوية مساحة واسعة من الوقت، دون أن تقابلها معايير واضحة لتنظيمها أو موازنتها مع الالتزامات الأخرى. وحين يتكرر هذا النمط دون مراجعة، فقد يتحول من ممارسة عادية إلى توقع اجتماعي؛ فيجد الشخص الذي يعتذر عن إطالة الجلوس من أجل عمله أو موعده نفسه في موقف حرج، وكأنه يخالف المألوف، مع أن تصرفه قد يعكس وعيًا بالمسؤولية وحسنًا في ترتيب الأولويات. وهنا ينبغي ألا تصبح المجاملة الاجتماعية سببًا في تعطيل الواجب، ولا أن تتحول المحافظة على العلاقات إلى مبرر للتفريط في حقوق الآخرين. وتتصل بذلك فرضية رابعة، هي ضعف المساءلة العملية عن التأخر والإخلال بالمواعيد في بعض البيئات. فالسلوك الذي لا تترتب عليه آثار واضحة، ولا يواجه بتوقعات محددة أو إجراءات عادلة، قد يستمر حتى يتحول إلى عادة مستقرة. ومن ثم، فإن بناء ثقافة الالتزام لا يعتمد على الوعظ وحده، بل يحتاج أيضًا إلى مؤسسات تحترم المواعيد، وتحدد المسؤوليات، وتطبق القواعد على الجميع دون استثناء. ولا يستقيم أن يُطلب من الأفراد الانضباط بينما تتساهل المؤسسة نفسها في احترام الوقت؛ لأن القدوة المؤسسية جزء لا يتجزأ من التربية المجتمعية. وهذه الفرضيات ليست نتائج علمية محسومة، بل مسارات تفسيرية ينبغي اختبارها بالملاحظة المنظمة والمقابلات والاستبانات ودراسة الممارسات في الأسرة والمدرسة ومؤسسات العمل. فالنقد التربوي الجاد لا يكتفي بتحديد موضع الخلل، ولا يستبدل التعميم بتعميم آخر؛ بل يسعى إلى فهم الآليات التي تنتج السلوك، والتمييز بين الانطباعات الشخصية والشواهد الفعلية، وبين الأسباب المحتملة والنتائج التي تؤيدها البيانات. ومن أخطر ما قد يحدث في أي مجتمع أن يتحول السلوك القابل للنقد إلى عرف مألوف، ثم تصبح مألوفيته سببًا في حمايته من المساءلة. فالعادة حين تتكرر قد تكتسب قوة التوقع الاجتماعي؛ فيمارسها الناس لأنهم اعتادوها، أو لأن محيطهم ينتظر منهم ممارستها، أو لأن الخروج عنها قد يُفسر على أنه جفاء أو تكلف أو تقليل من شأن العلاقات. لكن المعيار الصحيح ليس مدى شيوع السلوك، بل مدى إسهامه في بناء الإنسان المسؤول، واحترام حقوق الآخرين، وتحقيق التوازن بين الروابط الاجتماعية ومتطلبات العمل والإنجاز. ومن هنا، فإن إصلاح ثقافة الوقت لا يعني الدعوة إلى مجتمع جاف تحكمه الساعة في جميع تفاصيله، ولا إلى إلغاء المجالس النافعة التي تعزز التراحم والتواصل؛ بل يعني تحرير العلاقات الاجتماعية من الممارسات التي تجعل المجاملة سببًا في الإخلال بالواجب، وتجعل الألفة مبررًا للتساهل في الالتزامات. فالمجتمع المتوازن ليس الذي يقلل من قيمة العلاقات، ولا الذي يستهين بالمواعيد، وإنما الذي يعرف كيف يجمع بين دفء التواصل وصرامة المسؤولية. وتبدأ المعالجة من الأسرة؛ إذ ينبغي أن يتعلم الطفل قيمة الوقت من خلال الممارسة قبل التلقين، فيرى والديه يحترمان المواعيد، وينظمان الالتزامات، ويقدّران وقت الآخرين، ويوازنان بين التواصل الاجتماعي والواجبات اليومية. كما يمكن تدريبه على تنظيم وقته، وتحديد أهدافه، والوفاء بما يلتزم به، وإدراك أن التأخر المتكرر لا يؤثر فيه وحده، بل قد يحمّل الآخرين أعباء لم يختاروها. فالقدوة ليست عنصرًا مساعدًا في التربية فحسب، بل وسيلة أساسية لتحويل القيم المجردة إلى سلوك مكتسب. وعلى مستوى المدرسة، ينبغي ألا تقتصر التربية على الحديث عن أهمية الوقت، بل يجب أن تُترجم إلى ممارسات منتظمة: بدء الدروس في مواعيدها، واحترام زمن التعلم، وتدريب المتعلمين على التخطيط للمهام، وإنجاز الأعمال ضمن أطر زمنية مناسبة، وتقويم الالتزام بوصفه جزءًا من المسؤولية والسلوك المدرسي. ويمكن للمدرسة أن تنظم أنشطة تطبيقية يتعلم فيها المتعلمون ترتيب الأولويات، وتقدير الوقت اللازم لإنجاز المهمات، ومراجعة الفارق بين الخطة والتنفيذ. فالمدرسة التي تتحدث عن الانضباط ثم تتساهل في تطبيقه تقدم رسالة متناقضة يصعب أن تؤسس ثقافة راسخة. أما المؤسسات الدينية، فيمكنها أن تسهم في إبراز الصلة بين قيمة الوقت ومقاصد العمل الصالح، والوفاء بالعهد، وأداء الحقوق، وإتقان المسؤوليات. والمطلوب ليس تكرار المواعظ فحسب، بل ربط القيم الدينية بالمواقف اليومية التي يختبر فيها الإنسان صدق التزامه؛ من احترام مواعيد الآخرين إلى الوفاء بالواجبات المهنية والاجتماعية. فالقيمة الدينية تزداد أثرًا حين تتحول إلى سلوك ملموس يراه الناس في المعاملة والعمل والالتزام. وعلى مستوى المؤسسات العامة والخاصة، لا بد من تحديد المواعيد بوضوح، واح ترامها، وتطبيق معايير عادلة للمساءلة، وتجنب ازدواجية المعايير. كما ينبغي تنظيم الاجتماعات بما يحدد بدايتها ونهايتها وأهدافها، وتقدير وقت المشاركين، وإبلاغ المعنيين بأي تغيير في الموعد في وقت مناسب. فاحترام الوقت لا يتحقق بتحميل الأفراد المسؤولية وحدهم، بل يتطلب بيئة تنظيمية تجعل الالتزام ممكنًا، وتكافئ الانضباط، وتعالج التأخر المتكرر بعدل ووضوح. ويكتمل هذا المسار بتعزيز ثقافة التخطيط الشخصي، وتدريب الأفراد على ترتيب الأولويات، وتقدير تكلفة الفرص الضائعة، والتمييز بين الراحة المشروعة والتسويف، وبين التواصل النافع والاستغراق غير المنتج. وليس المقصود أن يتحول كل وقت إلى عمل متواصل؛ فالراحة والترفيه والتواصل الاجتماعي عناصر ضرورية لحياة متوازنة. وإنما المقصود أن يكون استثمار الوقت اختيارًا واعيًا، لا استسلامًا لعادات تستنزفه دون إدراك، وأن يعرف الإنسان متى يمنح العلاقات حقها، ومتى يتعين عليه العودة إلى مسؤولياته. ولكي يتجاوز الإصلاح حدود الخطاب العام، تبرز أهمية الدراسات الميدانية التي تستكشف أنماط الالتزام بالمواعيد، وأسباب التأخر، وطبيعة استخدام الوقت في بعض البيئات الاجتماعية والمهنية والتعليمية، مع مراعاة الاختلافات بين المناطق والأجيال والسياقات. ومن المفيد أن تتناول هذه الدراسات أيضًا العوامل المؤسسية والتنظيمية، وأثر القدوة الأسرية والمدرسية، ومدى وضوح المواعيد والالتزامات. فبهذا وحده يمكن الانتقال من الانطباعات العامة إلى تشخيص علمي يساعد على بناء تدخلات تربوية أكثر دقة وفاعلية. إن قضية الوقت في المجتمع الصومالي، حيث تظهر هذه الممارسات في بعض السياقات، ليست مجرد مسألة تأخر عن موعد أو إطالة مجلس؛ إنها قضية تتصل بكيفية تشكل القيم وتحولها إلى سلوك يومي، وبقدرة المجتمع على تحقيق التوازن بين العلاقات الاجتماعية ومتطلبات المسؤولية والإنجاز. فالمشكلة ليست في أن يجتمع الناس ويتواصلوا، وإنما في أن يختل ميزان الأولويات، فتُمنح بعض الأنشطة محدودة الجدوى ساعات طويلة، بينما لا تحظى المواعيد والالتزامات بما تستحقه من عناية. وإذا كان المجتمع يستند إلى مرجعية إسلامية تعلي من شأن العمل والوفاء والمسؤولية، فإن التحدي التربوي يتمثل في ردم الفجوة بين هذه القيم والممارسات اليومية التي قد تتعارض معها. ولا يتحقق ذلك بمجرد تكرار الحديث عن قيمة الوقت، بل ببناء وعي عملي يتجسد في الأسرة والمدرسة والمؤسسة والمجلس الاجتماعي، ويجعل احترام الوقت جزءًا من احترام الإنسان وحقوقه. إن الإصلاح يبدأ حين نتوقف عن اعتبار العادة مبررًا، وعن تفسير كل سلوك شائع بأنه جزء لا يُمس من الثقافة. فالثقافات الحية ليست تلك التي تحافظ على جميع ممارساتها دون مراجعة، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتمييز ما يعزز قيمها مما يعوق تقدمها، وما يحفظ روابطها مما يبدد طاقاتها. فالسؤال الذي ينبغي أن يواجهه الخطاب التربوي الصومالي ليس: هل نعرف قيمة الوقت؟ بل: إلى أي مدى تتحول معرفتنا بقيمته إلى سلوك يحترم المواعيد، ويصون حقوق الآخرين، ويحوّل الساعات المتاحة إلى تعلم وعمل وإنجاز؟ حين يصبح احترام الوقت ممارسةً لا شعارًا، والالتزام بالمواعيد قيمةً لا مجاملةً، والتواصل الاجتماعي علاقةً متوازنة لا استنزافًا للزمن، تكون التربية قد خطت خطوة حقيقية نحو بناء ثقافة تقدّر الإنسان، وتحترم مسؤولياته، وتحسن استثمار إمكاناته. فالأمم لا تتقدم بما تملكه من وقت فحسب، بل بما تحسن صنعه في ذلك الوقت. بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرِّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي (CFEN)