في صباح اليوم التالي، استيقظت من النوم مفعمًا بالحيوية والنشاط. تناولت فطوري بعد أن أخذت حمامًا ساخنًا، ثم ارتديت أجمل ملابسي وخرجت من المنزل بمظهر أنيق وجذاب. استقللت دراجتي النارية، وسلكت الطريق السريع لأصل إلى مقر عملي مبكرًا. وصلت، وركنت دراجتي، ثم دخلت المقر متجهًا إلى مكتبي. كان الوقت مبكرًا جدًا؛ فالمدير لم يكن قد وصل بعد. بدأت العمل مباشرةً حتى أنتهي منه في أسرع وقت ممكن. كانت عادتي، قبل أن أشرع في العمل، أن أقرأ المعلومات المسجلة في ملاحظة ملصقة على كل هاتف. وبينما كنت أتناول الهواتف واحدًا تلو الآخر، وأقرأ الملاحظات بملل، لفت انتباهي أحدها بعد أن قرأت الملاحظة الملصقة عليه. وكان مكتوبًا في أعلاها: غاية الأهمية لصاحبها. الموقع: بلبلى. الطبقة الاجتماعية: ميسور الحال. سر الأهمية: مجهول. العمل: طالب في المرحلة المتوسطة. قد يتساءل القارئ: كيف توصلنا إلى كل هذه المعلومات؟ يعود السر إلى فرقة الجواسيس التي أخبرتكم عنها سابقًا. فبينما يقوم جامع الهواتف، أي «السارق»، بتنفيذ عملية السرقة، يراقبه الجاسوس عن قرب، بعد أن يكون قد حدد الهدف وأصدر التعليمات اللازمة. لكن دوره لا ينتهي عند المراقبة، بل يتجاوز ذلك إلى التظاهر بتقديم المساعدة. فما إن يصرخ المجني عليه طالبًا النجدة، حتى يتظاهر الجاسوس بمطاردة الجاني، موهمًا الضحية بأنه يسعى إلى استعادة هاتفه، في حين أن الجاني ليس سوى زميله في العمل. عندها يظن الضحية أن النجدة قد وصلت إليه، وأن الرجل الذي يطارد السارق سيساعده على استعادة هاتفه، فيتوقف عن محاولة استرداد حقه بنفسه، معتمدًا على ذلك المساعد الذي ظهر في الوقت المناسب. ثم يعود صاحبنا «الجاسوس» خالي الوفاض، متظاهرًا بالتعب والأسى لما حدث، ومظهرًا تعاطفًا زائفًا مع الضحية. وكل ذلك ليس إلا وسيلة لفتح باب الحديث معه، واستدراج المعلومات المهمة التي سنحتاج إليها لاحقًا؛ فبفضلها تصبح مهمتنا أسهل. قد تبدو العملية معقدة بعض الشيء، ولكن، كما سبق أن أخبرتكم، لسنا مجرد سُرّاق مبتدئين، بل فريق من المحترفين الذين يتقنون هذه العمليات ويتفننون في تنفيذها، بفضل التدريبات المكثفة والتجارب العديدة التي خضناها في ساحة الاختبارات. وبمرور الوقت، أصبح كل فرد في الفريق قادرًا على أداء مهمته بأسلوب يكاد يكون مثاليًا؛ إذ إن غياب أي عضو من هؤلاء الأعضاء قد يؤثر في دقة العمل كله. أما ما أثار اهتمامي أنا، فهو أن صاحب هذا الهاتف طالب في المرحلة المتوسطة. تُرى، ما الذي قد يجعل هاتف طالب في هذه المرحلة الدراسية مهمًا إلى هذه الدرجة؟ هل يعمل لدى الاستخبارات الوطنية؟ سرعان ما استبعدت الفكرة، وقلت لنفسي: لا، لا، لا! من ذا الذي قد يثق بطالب في هذا العمر ويأتمنه على أسرار بهذا الحجم؟ سألت أحد أصدقائي في فرقة الجواسيس عن محتويات الهاتف، موضحًا له أن صاحبه طالب في المرحلة المتوسطة. أجابني مازحًا: — أنت تعرف هذا الجيل؛ لديهم من الأسرار ما يفوق أسرارنا جميعًا! ثم غمزني بسخرية، وقال: — احرص على تصفح ملفات الفيديو والصور، فستجد هناك الكثيررر! أجبته مازحًا: — متى ستتوقف عن أفكارك الشيطانية يا رجل؟ اذهب من هنا! أنا المخطئ؛ لأنني سألتك أنت من بين الجميع! خرج صديقي من الغرفة، لكنه ترك وراءه جوابًا بدا منطقيًا بالنسبة إليّ، بالنظر إلى تصرفات هذا الجيل وطريقة عيشه، ولا سيما الجيل الذي جاء بعدنا. وبما أن الحالة الاجتماعية لصاحب الهاتف لا توحي بأنه قادر على دفع فدية مقابل استعادته، فإن مصير الهاتف غالبًا سيكون أحد أمرين: إما تفكيكه وبيع أجزائه من جديد، وإما فك شفرته، وهي مهمتي أنا، ثم مسح ذاكرته الداخلية وبيعه في الأسواق السوداء. بدأ الفضول يتسلل إلى عقلي، وأخذ سؤال واحد يتردد في ذهني: ماذا يمكن أن يحتوي هذا الهاتف؟ لم تمر دقيقة واحدة حتى وجدت يدي تمتد إليه. تناولته ووضعته في جيبي، دون أن أدرك أن هذه الخطوة ستكون بداية مغامرة لم أكن أتوقع عواقبها. بقلم : حسن علي وابري