الجزء الأول: ليس الفقر عيبًا، ولا الحاجة جريمةً، ولا مدُّ يد العون للمحتاج منّةً يُتبعها الإنسان أذًى؛ فالإسلام دين الرحمة والتكافل، الذي يصون كرامة الإنسان، ويحضّ على إغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، وسدّ حاجة الفقير. غير أن بين إغاثة المحتاج وتكريس التسوّل فرقًا دقيقًا ينبغي ألّا يغيب عن وعي المجتمع؛ فليس كل إحسان إصلاحًا، ولا كل عطاء معالجةً للمشكلة، ولا كل استدرار للعطف دليلًا على استحقاق المساعدة.
ومن هنا يبرز سؤال تربوي واجتماعي يستحق التأمّل: كيف تحوّلت ظاهرة التسوّل في بعض مجتمعات القرن الإفريقي من سلوك تفرضه الحاجة أحيانًا إلى مشهد متكرر في الشوارع والأسواق، بل وفي محيط دور العبادة ومداخلها؟
وهل نحن أمام قصور في التنشئة والتربية، أم أمام ممارسات تُسهم في ترسيخ الظاهرة وتحويلها إلى وسيلة للكسب؟
أرسى الإسلام مبدأ التعفّف، وربط الاستغناء عن سؤال الناس بعزّة النفس، من غير أن يجعل الفقر سببًا لانتقاص كرامة الفقير أو حرمانه من حقه في الرعاية.
يقول الله تعالى في وصف المحتاجين الذين لا يسألون الناس إلحافًا: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273].
وتُبرز الآية قيمة التعفّف الذي قد يحجب عن الناس حقيقة الحاجة، فيظنون أن صاحبها مستغنٍ، بينما هو في واقع الأمر يحتاج إلى من يتفقّد أحواله ويعينه بكرامة.
وفي المقابل، لم يغلق الإسلام باب السؤال في وجه المضطر، ولم يجعل التعفّف ذريعةً إلى تجاهل آلام المحتاجين؛ بل أوجب الزكاة، وحثّ على الصدقة، وأرسى مسؤولية المجتمع في رعاية الفئات الضعيفة. وقد جاء في الحديث الصحيح: «اليد العليا خير من اليد السفلى» (متفق عليه)، وهو توجيه إلى فضل العطاء والاستغناء عن سؤال الناس، لا دعوة إلى ترك المحتاجين يواجهون مصيرهم وحدهم.
كما قال النبي ﷺ: «ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغنِ يُغنه الله» (متفق عليه)، ومن ثمّ، فإن المنهج الإسلامي يجمع بين ترسيخ التعفّف وصيانة كرامة الإنسان، وبين إغاثة المحتاج والقيام بحقه.
ومن الخطأ أن نختزل هذا المنهج في تمجيد العطاء العابر مع إهمال التربية على العمل، أو أن نتخذ الدعوة إلى التعفّف ذريعةً للتخلّي عن مسؤولية التكافل.
فالتعفّف قيمة أخلاقية، والتكافل مسؤولية اجتماعية، ولا يستقيم أحدهما بإهمال الآخر. لا تتكوّن شخصية الإنسان في فراغ، ولا تتشكّل عاداته بمعزل عن الأسرة والمدرسة والمسجد وسائر مؤسسات المجتمع.
فالتربية الشاملة لا تقتصر على تلقين الناشئة المبادئ الأخلاقية، بل تمتد إلى بناء الإرادة، وتنمية الشعور بالمسؤولية، وتعزيز قيمة العمل، وتعليم مهارات الاعتماد على النفس، وتربية الفرد على احترام كرامته وكرامة الآخرين.
فإذا نشأ الطفل في بيئة ترى أن استدرار عطف الناس أسهل من تعلّم حرفة، أو أن الاعتماد الدائم على الآخرين بديل مقبول عن السعي إلى تحسين ظروف الحياة، من دون توجيه أو تأهيل أو توفير فرص واقعية، فقد تتكوّن لديه تصوّرات تُضعف المبادرة وتُطيل الاعتماد على الغير.
ولا يعني ذلك أن كل متسوّل ضحية خلل تربوي، أو أن الفقر ثمرة تقصير أسري؛ فهناك أناس دفعتهم ظروف قاسية، كالنزوح والإعاقة وفقدان المعيل وانعدام فرص العمل، إلى طلب المساعدة، لكن السؤال التربوي الذي ينبغي ألّا نغفله هو: هل نُعِدّ الناشئة لمواجهة الحياة بمهارات وقيم وقدرة على الكسب، أم نكتفي بالتعاطف مع مظاهر العجز بعد وقوعها؟
إن التربية التي لا تصل بين الرحمة والتمكين، وبين الإحسان وبناء القدرة، قد تُخفّف ألم اليوم، لكنها لا تضمن تقليل أسباب الحاجة في الغد، ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة في غرس قيمة العمل من دون تحقير الفقير، ومسؤولية المدرسة في تنمية الاستقلالية والمهارات الحياتية، ومسؤولية المؤسسات التربوية في ربط القيم الأخلاقية بالممارسة. فالمطلوب ليس تحميل المحتاج مسؤولية ظروف قد لا يملك تغييرها، وإنما بناء بيئة تساعده على استعادة قدرته على الاختيار والعمل متى توافرت له الإمكانات المناسبة.
من المشاهد التي تستدعي التأمّل انتشار المتسوّلين في بعض الشوارع والأسواق، وعند مداخل المساجد ومحيطها، ولا سيما في أوقات الصلاة وشهر رمضان والمناسبات الدينية.
ولا تكمن المشكلة في وجود محتاج يلجأ إلى الناس طلبًا للعون؛ فالحاجة الإنسانية لا تختفي بتغيّر المكان، ودور العبادة أولى بأن تستحضر معاني الرحمة والتكافل.
وإنما تكمن المشكلة في تحوّل المشهد المتكرر إلى ظاهرة مألوفة تُستقبل من غير تفكير في أسبابها، أو تمييز بين الحاجة الحقيقية والممارسات التي قد تستغل عاطفة الناس. وحين يعتاد المصلّون رؤية أيدٍ ممدودة عند الأبواب، فيمنحون المال بصورة تلقائية، من غير أن يصاحب ذلك تنظيم للمساعدة أو تحقّق معقول من الحالات أو دعم للمبادرات المؤسسية، فقد يتحوّل العطاء، من حيث لا يقصد المحسنون، إلى عامل يساعد على استمرار بعض صور التسوّل.
وليس المطلوب إغلاق أبواب المساجد في وجه المحتاجين، ولا التضييق على الفقراء، بل تحويل دور العبادة إلى منابر للتكافل المنظّم، تُعرَف فيها الأسر المتعفّفة، وتُحصَر الحالات الأشد حاجة، وتُوجَّه التبرعات إلى مصارفها بالتعاون مع الجهات الموثوقة.
فالرحمة لا تعني غياب التنظيم، والإحسان لا يتعارض مع التحقّق، بل قد يكون التنظيم نفسه صورة أرقى من صور الإحسان. ويمكن للمساجد، بالتعاون مع المؤسسات الخيرية والجهات الاجتماعية، أن تسهم في التعريف بالحالات المستحقة، وتوفير قنوات آمنة للتبرع، ومتابعة الأسر المحتاجة بما يحفظ خصوصيتها وكرامتها.
وبهذا لا يُحرم المحتاج من المساعدة، ولا يُترك المجال مفتوحًا أمام من قد يستغل مشاعر المصلّين. تزداد خطورة الظاهرة عندما لا تعود مرتبطة بالحاجة الطارئة وحدها، بل تصبح لدى بعض الأشخاص نشاطًا متكررًا يُعتمد عليه في تحصيل المال، أو تُستغل فيه مشاعر الشفقة لدى الناس.
وقد تتفاوت الحالات بين محتاج حقيقي لا يجد سبيلًا آخر، وشخص اعتاد السؤال مع قدرته على العمل، وممارسات منظّمة قد تقوم على استغلال الأطفال أو ذوي الإعاقة أو ظروف اللجوء والنزوح، ولا يصحّ التعميم في هذه المسألة، كما لا يجوز اتهام الأفراد بالاحتيال لمجرّد مظهرهم أو ظروفهم؛ فالحكم على الحالات يحتاج إلى معلومات موثوقة، لا إلى الانطباعات.
لكن الواجب التربوي والاجتماعي يقتضي ألّا نغضّ الطرف عن احتمال استغلال التعاطف الإنساني لتحقيق مكاسب غير مشروعة، فحين يصبح التسوّل موردًا مستقرًّا لدى بعض ممارسيه، قد تتراجع الحوافز إلى البحث عن بدائل مستدامة، وقد يجد الأطفال أنفسهم في بيئة تتعلّم فيها الأجيال اللاحقة أن استدرار العطف طريق مألوف للحصول على المال. وهنا لا تعود القضية مساعدة فرد فحسب، بل تصبح سؤالًا عن حماية الطفولة، وصيانة الكرامة، ومكافحة الاستغلال، وفتح أبواب التدريب والعمل والتمكين أمام القادرين عليهما. إن التمييز بين الحاجة الحقيقية والاستغلال لا يتحقق بالظن أو إطلاق الأحكام، وإنما بالتعامل الواعي مع الحالات، وتطوير آليات موثوقة للرعاية والإحالة والحماية.
فالمجتمع مسؤول عن إغاثة المحتاج، كما أنه مسؤول عن منع استغلال المحتاجين أو استغلال عاطفة المحسنين. من الأمور التي تستدعي المراجعة أن تُستحضر مفردات دينية وإنسانية، مثل «مسكين» و«فقير» و«لاجئ»، لتبرير كل طلب للمال، أو لإسكات أي تساؤل عن حقيقة الحاجة وطريقة المساعدة.
وهذه أوصاف قد تعبّر عن حاجات حقيقية تستحق الرعاية، وليست في ذاتها موضع اعتراض؛ فالفقير له حق، والمسكين جدير بالرحمة، واللاجئ الذي فقد مأواه وأمنه يستحق الحماية والإغاثة.
غير أن وجود هذه الصفة لا يعني أن كل حالة تُعرَض على الناس تستلزم الاستجابة المالية المباشرة، ولا أن كل تردّد في الدفع قسوة أو تقصير في الدين.
ومن الأحاديث التي تُستحضر في هذا السياق قول النبي ﷺ: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»؛ وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي، يدل على سعة الرحمة وفضلها، ولا يعني أن الرحمة محصورة في إعطاء المال لكل من طلبه، أو أن من امتنع عن دفع المال في حالة بعينها قد خالف مقتضى الحديث.
فالرحمة قد تكون صدقة، وقد تكون إطعامًا أو علاجًا أو إيواءً أو تعليمًا أو توفير فرصة عمل، وقد تكون إحالة المحتاج إلى جهة موثوقة تتولّى رعايته.
ومن الخطأ أن يتحوّل الخطاب الديني إلى وسيلة للضغط العاطفي على الناس، أو أن يُستعمل النص الشرعي خارج مقصده، أو أن يُساوى بين التحقّق من الحاجة وسوء الظن بالمحتاج. فالإسلام لا يربّي الناس على القسوة، كما لا يدعو إلى تعطيل العقل والبصيرة؛ بل يجمع بين الرحمة والحكمة، وبين العطاء وحسن التدبير.
إن صيانة النصوص من سوء التوظيف لا تقل أهمية عن صيانة المحتاج من الإهمال، لأن كليهما من مقتضيات الوعي الديني والتربوي الرشيد.
تكشف ظاهرة التسوّل عن تداخل عوامل تربوية واجتماعية واقتصادية، ولا يجوز اختزالها في ضعف الإرادة أو سوء النية، كما لا يصح التعامل معها باعتبارها مظهرًا بريئًا في جميع الحالات.
فبين المحتاج الذي ضاقت به السبل، ومن اعتاد السؤال، ومن يستغل عاطفة الناس، فروق ينبغي إدراكها قبل اتخاذ الموقف.
ومن هنا تبدأ المعالجة الواعية بتثبيت قيمة التعفّف، وصون كرامة المحتاج، وترشيد ثقافة العطاء، وحماية الفئات الضعيفة من الاستغلال.
بقلم: د. محمود محمد عبدي الصفة: مدرّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي (CFEN)