حين يعجز المربّون، يبقى باب الدعاء مفتوحًا يُحكى أن طبيبًا من أسرة عُرفت بالعلم والدين كان له أخ سيئ الأخلاق، بعيدًا عن الاستقامة وبيوت الله.

حاول أفراد الأسرة إصلاحه بشتى الوسائل، فلم تفلح نصائحهم، ولم تنجح معه الشدة ولا اللين. 

وأمام هذا العناد، قرر والده أن يلجأ إلى الله تعالى، فاصطحب ابنه الطبيب معه إلى العمرة.

وهناك، رأى الابن أباه متعلقًا بأستار الكعبة، رافعًا يديه إلى السماء، والدموع تنهمر من عينيه، وهو يدعو بحرقة: «إلهي وسيدي، ولدي فلان، أريده منك، أريد سعادته وصلاحه في الدنيا والآخرة». 

عاد الأب وابنه من العمرة، وبعد أسابيع، بدأت الأسرة تلاحظ تغيرًا في سلوك الابن.

 فقد صار يخلو بنفسه في غرفته، حتى اكتشفوا أنه بدأ يصلي. ثم رزقه الله صديقًا صالحًا دله على مجالس العلم والخير، فبدأت حياته تتغير، وسلك طريق الاستقامة والصلاح. إنها قصة تذكّرنا بأن صلاح الأبناء ليس مستحيلًا، مهما تعقدت أحوالهم؛ فلا تيأسوا من رحمة الله، ولا تقطعوا الرجاء في أبنائكم، بل واصلوا نصحهم، وأحسنوا توجيههم، وأكثروا من الدعاء لهم؛ فالهداية بيد الله تعالى.

الدعاء النبوي وأثره في صلاح الأبناء لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لأصحابه، ومن ذلك دعاؤه لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، فصار من كبار علماء الصحابة، واشتهر بالعلم والتفسير.

 كما دعا لأنس بن مالك رضي الله عنه، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيت».

 وتدل هذه الأدعية النبوية على أهمية سؤال الله للأبناء العلم النافع، والهداية، والرزق المبارك، وحسن الخلق، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وصايا للآباء والأبناء أولًا: أكثروا من الدعاء لأبنائكم. اجعلوا الدعاء لهم عادة يومية، واسألوا الله أن يصلح قلوبهم، ويهديهم إلى أحسن الأخلاق والأعمال. وأسمعوهم دعاءكم؛ ليشعروا بمحبتكم وحرصكم على سعادتهم.

ثانيًا: احذروا الدعاء عليهم. فقد يدفع الغضب بعض الآباء إلى الدعاء على أبنائهم، ثم يندمون على ذلك.

 وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المسلك، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم».

 ثالثًا: اجمعوا بين الدعاء وحسن التربية. فالدعاء لا يغني عن التوجيه والرعاية، بل ينبغي أن يصاحبهما الحوار الهادئ، والقدوة الحسنة، والمتابعة، والصبر، وتوفير البيئة الصالحة. أما الأبناء، فنصيحتنا لهم: بروا آباءكم وأمهاتكم. أحسنوا إليهم قولًا وعملًا، وأدخلوا السرور إلى قلوبهم، واحرصوا على رضاهم في المعروف، ولا تنسوا ما بذلوه في سبيل تربيتكم ورعايتكم؛ فبر الوالدين من أعظم أبواب الخير، ودعاؤهما من أسباب التوفيق والبركة.

خاتمة: دعاء لصلاح الذرية إن صلاح الأبناء نعمة من الله تعالى، ومسؤولية يتحملها الوالدان والمربون. ولذلك، علينا أن نجمع بين حسن التربية، وبذل الأسباب، والإكثار من الدعاء، وحسن الظن بالله، وعدم اليأس من رحمته. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. وقال سبحانه: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15]. نسأل الله تعالى أن يصلح أبناءنا وبناتنا، ويجعلهم قرة أعين لوالديهم، ويحفظهم من الفتن، ويرزقنا حسن تربيتهم، ويعيننا على أداء الأمانة، ويجعلهم من عباده الصالحين النافعين لأمتهم ومجتمعهم.

 

 بقلم: عبد الرزاق حسن طبر