إذا كانت الجيوش تملك السلاح، فإن الإعلام يملك ما هو أخطر منه، يملك العقول التي توجه السلاح.

 ولذلك لم يعد الإعلام اليوم سلطة رابعة فحسب، كما كان يوصف قديما، بل أصبح السلطة الأولى في العصر الحديث، السلطة التي تسبق السلطات الثلاث وتطوعها وتوجهها.

فلا يخفى على أحد أن من يملك الإعلام، يملك صناعة القرار وصياغة الوعي في كل زمان ومكان.

 لقد تجاوز الإعلام مرحلة النقل إلى مرحلة الصناعة.

 فلم يعد مجرد ناقل للخبر، بل صار صانعا للخبر، وصانعا للبطل، وصانعا للخائن، وصانعا للحقيقة، وصانعا للوهم في آن واحد.

يكفيه أن يسلط الضوء على شخص ليجعله نجما، وأن يحجب الضوء عن آخر ليمحوه من الوجود.

وهنا يكمن الخطر، وهنا يصبح الإعلام سلاحا ذا حدين، بل سلاحا أخطر من السلاح ذاته. لماذا الإعلام أولا؟

أولا، لأنه يشكل العقول: الإنسان أسير ما يسمع ويرى.

 وما تكرره وسائل الإعلام ليل نهار يترسخ في الوجدان حتى يغدو حقيقة، وإن كان كذبا محضا.

بالإعلام يقنع الشعب بخوض الحرب، وبه يقنع بجنوحه إلى السلم.

 فالكلمة المكررة تصنع الوعي، والوعي يصنع المصير. ثانيا، لأنه يصنع القرار: ما من رئيس أو ملك أو وزير في العالم يتخذ قرارا مصيريا دون أن يضع في حسبانه صدى الصحافة ومواقع التواصل.

الإعلام هو من يضغط، وهو من يبرر، وهو من يمهد الطريق للقرارات الكبرى، وهو من يهيئ الرأي العام لتقبلها أو رفضها.

 ثالثا، لأنه لم يعد حكرا على أحد: قديما كان الإعلام حكرا على الدول الكبرى والمؤسسات الرسمية، أما اليوم فقد انكسر هذا الاحتكار.

 كل هاتف ذكي صار قناة فضائية، وكل حساب على فيسبوك أو تيك توك صار جريدة يومية.

وهنا بالذات تتضاعف الخطورة، لأن سلاحا بهذه القوة أصبح في يد كل فرد، يحسن استخدامه من يحسن، ويسيء استخدامه من يسيء.

الوجه المشرق والوجه المظلم للإعلام وجهان لا يلتقيان إلا ليكشفا حقيقته.

 فأما وجهه المشرق، فحين يكون صادقا ومسؤولا، فإنه ينير الطريق، ويكشف الفساد، وينتصر للمظلوم، وينشر العلم والثقافة، ويجمع شتات الأمة ويوحد صفها في أحلك الأزمات.

هو حينئذ ضمير المجتمع وعينه التي لا تنام.

 وأما وجهه المظلم، فحين يكون كاذبا ومأجورا، فإنه يصبح أخطر من القنبلة.

فالقنبلة تقتل عشرات، أما الكلمة الكاذبة في الإعلام فتقتل أمما بأكملها.

هي تزرع الفتنة بين الإخوة، وتشوه سمعة الشرفاء، وتقلب الموازين، فتجعل من الخائن بطلا، ومن البطل خائنا، ومن الحق باطلا، ومن الباطل حقا. إننا اليوم في أمس الحاجة إلى إعلام يدرك عظم الأمانة الملقاة على عاتقه، إعلام لا يبيع الكلمة ولا يشتري الضمير، إعلام يعلم أن الكلمة قد تبني وطنا، وقد تهدم وطنا.

 

بقلم: يوسف مؤمن راجة - أستاذ بالجامعة