يقولون: «احفظ لسانك لا تقول فتُبتلى، إن البلاء موكّل بالمنطق».

وهذه العبارة تحمل في طياتها تحذيرًا للإنسان من أن يجعل لسانه سببًا في وقوع البلاء عليه، ولا سيما حين يتشمّت بالآخرين أو يعيّرهم بما فيهم.

 فلا تتشمّت بالآخرين، ولا تُعيّر أحدًا بما فيه؛ فإنك إن عيّرت أخاك بشيء، فكن على يقين أنك قد تُبتلى بمثل ما عيّرته به.

فلا تجرّ على نفسك البلاء بلسانك، ولا تُظهر الشماتة بأخيك؛ فيعافيه الله ويبتليك. 

ويقول محمد بن سيرين: «عيّرتُ أحدًا فقلت له: يا مُفلس، فأدركني الإفلاس بعد أربعين سنة».

 وتُروى قصة حدثت في مجلس الخليفة هارون الرشيد، بحضور عدد من العلماء والقراء، منهم الإمام الكسائي، أحد القراء السبعة، والإمام اليزيدي.

 تقدّم الكسائي ليؤمّهم في صلاة المغرب، فحصل عنده التباس أو رتج، أي وقف في الحفظ ولم يستطع إكمال الآية، في سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.

فلما سلّم الكسائي، استنكر اليزيدي ذلك، وقال متعجبًا: «أقارئ أهل الكوفة وإمامها يخطئ وينسى ويرتج عليه في سورة الكافرون؟».

وحضرت صلاة العشاء بعد ذلك، فتقدّم اليزيدي ليصلّي بالناس، فإذا به يرتج عليه ويخطئ وينسى في قراءة سورة الفاتحة.

فلما سلّم اليزيدي من صلاته، قال له الكسائي مذكّرًا إياه: «احفظ لسانك لا تقول فتُبتلى، إن البلاء موكّل بالمنطق».

وفي ذلك دلالة على أن الإنسان لا ينبغي له أن يشمت بأخيه، وأن العالم مهما علا قدره قد يعتريه السهو والنسيان.

عبيد الجرهمي في حي قطاعة كان عبيد الجرهمي، شيخَ العرب، في حيٍّ من أحياء قطاعة، وفي طريقه رأى جنازةً، فذهب معهم ليشيّع الميت.

 فلما وصلوا إلى المقبرة، ووُضع الميت في قبره، نظر عبيد إلى أبناء عمه وأقاربه، فإذا هم يضحكون ويتحدثون، ولا يبالون بما يجري حولهم، وكأن الموت لم يمرّ بهم.

 فانعزل عنهم، وأخذ يبكي، وأنشد يقول: يبكي عليهِ قريبٌ ليس يعرفُهُ وذو قرابتهِ في الحيِّ مسرورُ قال أحد الحاضرين: يا أخا العرب، أتعرف الميت؟

 قال: لا. قال: أتعرف قائل هذا البيت؟

 قال: لا. قال له: أتعرف من حوله؟

 قال: لا. فقال له: قائل هذا هو الميت، والذين حوله أقرباؤه.

جرّ هذا بلسانه.

ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على أعرابيٍّ مريضٍ يعوده، فقال له: «لا بأس، طهورٌ إن شاء الله».

فقال الأعرابي: «طهور؟

 كلا، بل هي حُمّى تفور أو تثور على شيخٍ كبير، تُزيره القبور».

 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم إذًا»، فمات.

وحين اقترب حسين بن علي إلى كربلاء، سأل عن اسم المنطقة، فقيل له: كربلاء، فقال: كرب وبلاء.

فمات بها.

 وهكذا ينبغي للإنسان أن يتأنّى فيما يقول، وألا يجعل كلماته سببًا فيما يكره؛ فقد يُبتلى المرء بما نطق به لسانه، أو بما عيّر به غيره، أو بما شمت به من مصيبة أخيه.

فلا تجرّ على نفسك البلاء بلسانك، ولا تجعل كلماتك سببًا فيما تكره.

احفظ لسانك لا تقول فتُبتلى؛ إن البلاء موكّل بالمنطق.

 

بقلم: عبد الرزاق حسن طبر