السلام ليس حرفا نلوكه على الألسنة، ولا تحية عابرة نتبادلها عند اللقاء. السلام هو حاجة الوجود كله، هو الهواء الذي نستنشقه دون أن نشعر، ولا نعرف قدره إلا حين يختنق العالم. نحن نعيش في كنف السلام فلا نلتفت، وهناك في طرف آخر من هذا الكوكب، من يتمنى لو يذوق منه نفسا واحدا، دقيقة واحدة يغمض فيها عينيه آمنا.

 إنه الاسم الذي لا يحتاج إلى ترجمة السلام لغة يفهمها الجميع. لا يحتاج إلى قاموس.

 حتى من لا يؤمن بدين ولا ملة، يرفع يديه إلى السماء ويقول: أريد أن أعيش بسلام. لأنه الفطرة.

لأن الإنسان لا يبني وهو خائف، ولا يبدع وهو مضطرب، ولا يحب وهو مذعور، ولا يعبد ربه وقلبه يرتجف.

 قد تعطينا الحرب درسا قاسيا، لكن الذي يبني التاريخ حقا هو السلام وحده.

 وأعظم درس في السلام سطره القرآن في مشهد مهيب، مشهد خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حين اجتمعت عليه قوى الأرض لتجعله رمادا.

أوقدوا نارا عظيمة، وقذفوه فيها، والمنطق البشري كله يقول إن النار تحرق.

لكن حين يكون العبد مع الله، تتغير نواميس الكون لأجله.

 قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. تأمل الإعجاز في العبارة.

لم يقل الله كوني بردا فحسب، فالبرد وحده قاتل، قد يهلك إبراهيم بزمهريره كما تهلكه النار بحريقها.

 بل قال بردا وسلاما. فجمع بين نفي الأذى وإثبات الأمان. البرد أوقف الإحراق، والسلام بث الطمأنينة.

فإذا بالنار التي تشتعل، تتحول إلى روضة وارفة، وإلى واحة من السكينة في قلب الجحيم.

هنا يكمن سر الرسالة: إن الله قادر أن يجعل لك من قلب النار سلاما، إذا كنت معه.

فالنار التي تحرق قد تصبح سلاما، والخوف الذي يشل قد يصبح سلاما، والقلق الجاثم على صدرك هذه الليلة قد يصبح سلاما، بكلمة واحدة من الله، كن فيكون.

 لماذا نحن أحوج ما نكون إلى السلام اليوم؟

نحن لا نحتاج السلام فقط لإسكات المدافع على الحدود، نحن نحتاجه ليحل السلام في دواخلنا أولا، على ثلاث منازل: أما الأولى فسلام مع الله، أن تثق أنه يراك ويرعاك ويحميك، كما وثق إبراهيم وهو يهوي في الهواء نحو النار، مطمئنا أن عين الله ترعاه.

وأما الثانية فسلام مع النفس، أن تضع الحرب الأهلية التي بداخلك أوزارها.

أن تكف عن جلد ذاتك، وعن ذلك القلق المقيم على رزق لم يأت وأجل لم يحن.

 ألم يكن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل صلاة: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام فكيف يقلق قلب عرف أن ربه هو السلام نفسه.

وأما الثالثة فسلام مع الناس، أن تطهر قلبك من الغل والحقد.

فإن الحاقد لا ينام بسلام، إنه يشعل النار في صدره كل ليلة قبل أن يفكر في إحراق غيره.

 تماما كما أراد قوم إبراهيم أن يحرقوه، فما احترق إلا حقد قلوبهم.

 نحن لا ندرك قيمة السلام لأننا غارقون فيه، فاسأل عنه أما ثكلى فقدت وحيدها في حرب عبثية، واسأل عنه رجلا يسكن تحت أزيز الطائرات، واسأل عنه مريضا أعياه الألم فلا يجد للنوم طعما، سيقول لك والدمع يخنقه: أريد دقيقة واحدة، دقيقة واحدة فقط من السلام.

 إن السلام ليس انكسارا ولا ضعفا، كما يتوهم قصار النظر.

السلام هو ذروة القوة.

أن تملك القدرة على الرد فتعفو، وأن تملك القدرة على البطش فتصفح، وأن تملك القدرة على القطيعة فتصل، تلك هي القوة التي لا يبلغها إلا الكبار. 

وكما جعل الله النار سلاما على إبراهيم، فهو سبحانه قادر أن يجعل قلبك المضطرب سلاما، وبيتك المتوتر سلاما، وحياتك المبعثرة سلاما، إن أنت طرقت بابه وقلت بصدق: يا سلام، ارزقني السلام.

 

 بقلم: يوسف مؤمن راجة - أستاذ الإعلام بالجامعة