الجزء الثاني: إذا كان الجزء الأول قد تناول الأبعاد التربوية والاجتماعية لظاهرة التسوّل، فإن استكمال الصورة يقتضي الوقوف عند مظاهر تحوّلها، في بعض الحالات، من استجابة اضطرارية للحاجة إلى نشاط متكرّر يستهدف تحصيل المال، مستفيدًا من عاطفة الناس، وثقتهم، واستعدادهم للبذل والإحسان.

 وهنا تبرز مسؤولية الوعي المجتمعي في التمييز بين المحتاج الذي يستحق الرعاية، ومن يتعمّد استغلال مشاعر الآخرين، دون أن يقودنا ذلك إلى التسرّع في إصدار الأحكام أو الإساءة إلى الفئات الهشّة، تتجاوز خطورة الظاهرة حدود السؤال العابر عندما يتحوّل التسوّل، لدى بعض الأفراد أو الجماعات، إلى نشاط متكرّر قائم على أساليب مدروسة لاستدرار العطف، واختيار الأماكن والأوقات التي يُتوقّع فيها ارتفاع الاستجابة.

وقد يتخذ هذا النشاط صورًا مختلفة، منها استغلال الأطفال أو الأشخاص ذوي الإعاقة، أو تكرار القصص ذاتها أمام المارة، أو إخفاء بعض الحقائق، أو استثمار المناسبات الدينية والاجتماعية لتحقيق مكاسب مادية.

ولا يصحّ افتراض أن كل من يكرّر السؤال يتعمّد الاستغلال؛ فقد يكون التكرار نتيجة فقر مزمن، أو مرض، أو إعاقة، أو انعدام فرص العمل، أو غياب شبكات الحماية. لذلك ينبغي أن يقوم التشخيص على قرائن معتبرة، لا على المظهر أو الانطباع، وأن تُحمى كرامة الأشخاص من الاتهام العشوائي.

غير أن هذا الاحتراز لا يمنع من الاعتراف بوجود حالات قد تستغلّ التعاطف الإنساني، وتحوّل العطاء إلى مورد للكسب دون ضرورة حقيقية.

 وتتضاعف خطورة الأمر عندما يُزجّ بالأطفال في التسوّل، فيُحرمون التعليم، ويتعرّضون لمخاطر الشارع، ويتعلّمون أن استدرار عطف الآخرين بديل عن اكتساب المعرفة والمهارة.

وقد يصبح الطفل في هذه الحالة ضحيةً لاستغلال الكبار قبل أن يكون مسؤولًا عن سلوك؛ ومن ثمّ فإن التعامل معه ينبغي أن يركّز على حمايته، والتحقّق من ظروفه، وإعادته إلى بيئة تعليمية آمنة، ومحاسبة من يثبت تورّطه في استغلاله وفق القانون.

 إن أخطر ما في تحويل التسوّل إلى مصدر دائم للكسب ليس المال الذي يُجمع فحسب، بل ما قد يصاحبه من إضعاف لقيمة العمل، وإهدار للطاقات، وتعزيز للاعتماد على الآخرين، وتطبيع مع ممارسات تضرّ بالمجتمع وتشوّه صورة المحتاج الحقيقي.

 وحين يصبح هذا السلوك مقبولًا أو مربحًا دون معالجة أسبابه أو الحدّ من استغلاله، تتسع دائرة استمراره، وتزداد صعوبة الانتقال من ثقافة الأخذ إلى ثقافة الإنتاج والمبادرة. وللدين مكانة راسخة في وجدان مجتمعات القرن الإفريقي، وتؤدي المفردات الدينية دورًا مؤثرًا في تشكيل المواقف والسلوكيات.

 ومن الطبيعي أن يستجيب الناس لعبارات مثل: «مسكين»، و«فقير»، و«لاجئ»، وأن يتفاعلوا مع التذكير بالرحمة والصدقة، أو مع الاستشهاد بأحاديث تحثّ على الإحسان، ومنها الحديث المشهور: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

وهذه المعاني في أصلها دعوة إلى الرحمة، وليست موضع اعتراض؛ فالإسلام يحثّ على إغاثة المحتاج، ويجعل للفقير والمسكين حقًّا في الرعاية، ويحضّ على البذل ابتغاء مرضاة الله.

 لكن الإشكال يظهر حين تُستعمل العبارات الدينية أو الأوصاف الإنسانية لإثارة العاطفة دون تحرٍّ، أو حين يُقدَّم كل امتناع عن إعطاء المال بوصفه قسوةً أو نقصًا في الإيمان، أو حين تتحوّل النصوص الشرعية إلى أدوات ضغط على الناس لدفعهم إلى العطاء دون نظر في حقيقة الحالة.

فالرحمة لا تعني تعطيل العقل، والصدقة لا تعني الاستجابة لكل طلب دون تقدير، كما أن التثبّت لا يعني سوء الظن بالمحتاجين. إنما المطلوب الجمع بين رقة القلب ورشد القرار؛ فنحن مأمورون بالإحسان، ولكننا مسؤولون أيضًا عن توجيهه إلى مواضعه، وحماية الضعفاء من الاستغلال، وصيانة أموال المحسنين من التلاعب.

ولا يجوز اتخاذ الحديث الشريف أو الآيات القرآنية وسيلةً لإدانة المحتاج أو تخويف المحسن، بل ينبغي فهم النصوص في سياقها الصحيح، والجمع بين أحكام الرحمة والتكافل، وقيم العمل والتعفّف، ومقاصد حفظ الكرامة والحقوق.

ومن واجب العلماء والدعاة والمربين أن يقدّموا خطابًا متوازنًا يبيّن فضل الصدقة، وحرمة استغلال الناس، وأهمية العمل، ومسؤولية المجتمع عن رعاية من لا يستطيعون الكسب.

 إن الخطاب الديني الرشيد لا يكتفي بدعوة الناس إلى إخراج المال، بل يعلّمهم كيف يجعلون من عطائهم وسيلةً لتخفيف المعاناة، وبناء القدرة، وحماية الكرامة.

فليس كل عطاء إصلاحًا، كما أن ليس كل امتناع حرمانًا؛ والعبرة في معرفة الحاجة، وحسن توجيه المساعدة، وتحقيق المقصد الإنساني والشرعي منها.

 إن معالجة التسوّل لا تتحقّق بالتشهير بالمتسوّلين، ولا بالاكتفاء بمطالبة الناس بالتوقف عن إعطائهم، ولا بالتعامل الأمني وحده مع ظاهرة تتداخل فيها عوامل الفقر والتنشئة والبطالة والاستغلال.

فالمقاربة الفاعلة تبدأ بتشخيص الحالات، وتحديد أسبابها، والتمييز بين من يحتاج إلى رعاية عاجلة، ومن يستطيع العمل لكنه يفتقر إلى الفرصة، ومن يتعمّد استغلال الآخرين، ومن يتعرّض للإجبار أو الاتجار أو الاستغلال.

وتتطلّب المعالجة المستدامة تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الاجتماعية والجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني.

فالأسرة تغرس قيمة العمل والمسؤولية، والمدرسة تنمّي المهارات وتربط التعلم بالحياة، والمسجد يعزّز ثقافة التكافل الواعي، والمؤسسات الاجتماعية تقدّم الرعاية للفئات الأشد هشاشة، بينما تعمل الجهات المختصة على توفير فرص التأهيل والكسب، ومكافحة استغلال الأطفال، وتنظيم المساعدات، ومحاسبة من يثبت تورّطه في الاستغلال.

 ومن الضروري كذلك إنشاء مسارات آمنة وموثوقة لتقديم الدعم، بحيث يستطيع المحسنون إيصال مساعداتهم إلى مستحقيها، وتستطيع الجهات المعنية متابعة أثرها.

فبدلًا من الاقتصار على المبالغ المتفرقة في الشوارع، يمكن دعم الأسر المحتاجة، وتمويل برامج التأهيل المهني، وتوفير الأدوات اللازمة للعمل، ومساندة المشروعات الصغيرة، وربط القادرين على الكسب بفرص حقيقية.

 أما من يعجزون عن العمل بسبب المرض أو الإعاقة أو التقدّم في السن أو غير ذلك من الظروف، فيجب أن تُصان كرامتهم، وأن تُوفّر لهم الحماية والرعاية اللائقتان.

ويظلّ التعليم أحد أهم مداخل الوقاية؛ لأنه لا يقتصر على نقل المعارف، بل يساهم في بناء الشخصية، وتنمية الشعور بالمسؤولية، وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار، وتطوير مهارات حل المشكلات.

ومن ثمّ ينبغي أن تتضمّن البرامج التربوية أنشطةً تعلّم الناشئة قيمة العمل والإنتاج والتكافل، وتدرّبهم على التمييز بين المساعدة التي تمكّن الإنسان من تجاوز أزمته، والمساعدة التي قد تُبقيه أسيرًا لها.

ولا بدّ أن تستند هذه الجهود إلى بيانات واقعية، لا إلى الانطباعات العامة؛ فيُرصد حجم الظاهرة، وتُدرس دوافعها، وتُحدّد الفئات الأكثر عرضةً لها، وتُقوّم البرامج المنفّذة وفق نتائج واضحة، مثل تحسّن الوصول إلى التعليم، وزيادة فرص العمل، وانخفاض استغلال الأطفال، وارتفاع قدرة الأسر المستفيدة على تلبية احتياجاتها الأساسية.

 فالمقصود ليس إخفاء الظاهرة من الشوارع فحسب، بل معالجة الأسباب التي تدفع إليها، ومنع استغلالها، وتوفير بدائل تحفظ للإنسان حقّه في العيش الكريم.

 خاتمة: أَنُطعم الظاهرة أم نُطعم الإنسان؟

 إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: هل نعطي المتسوّل أم نمنعه؟

 بل: كيف نُغيث المحتاج دون أن نكرّس حاجته، وكيف نرحم الإنسان دون أن نفتح بابًا لاستغلال الرحمة، وكيف نحفظ كرامة الفقير دون أن نتركه أسير الفقر؟

 إن مجتمعاتنا لا تحتاج إلى قلوب أقلّ رحمة، بل إلى رحمة أكثر وعيًا، ولا تحتاج إلى إغلاق أبواب الإحسان، بل إلى فتح أبواب أوسع للعمل والتأهيل والحماية.

فالمحتاج الحقيقي أولى بالرعاية، والطفل أولى بالحماية، والقادر على العمل أولى بفرصة تمكّنه من الاعتماد على نفسه، والمجتمع أولى بثقافة تحوّل التكافل من عطاء عابر إلى بناء مستدام للإنسان.

ومن هنا، تقع على المربين والعلماء والمصلحين والمعلّمين مسؤولية إعادة الاعتبار لقيم التعفّف والعمل والمبادرة، وتربية الناشئة على أن كرامة الإنسان لا تُصان بإشباع حاجته الآنية فحسب، بل بمساعدته على امتلاك القدرة التي تمكّنه من تجاوزها.

 كما تقع على المؤسسات مسؤولية الانتقال من إدارة الظاهرة إلى معالجة أسبابها، ومن الاكتفاء بتقديم المساعدات إلى بناء منظومة متكاملة للرعاية والتمكين.

فلنمدّ أيدينا إلى المحتاج رحمةً، ولنفتح أمامه أبواب العمل قدرةً، ولنحمِ الطفل من الاستغلال، ولنوجّه عطاءنا بحكمة، ولنربِّ أبناءنا على أن العطاء فضيلة، والعمل كرامة، والتعفّف قوة، والتكافل مسؤولية مشتركة.

 فأَنُطعم الظاهرة أم نُطعم الإنسان؟

 إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين معالجة عابرة تُبقي المشكلة قائمة، ورؤية تربوية وإنسانية تسعى إلى بناء إنسان قادر، كريم، منتج، يحفظ كرامته، وينفع مجتمعه، ويجد في العمل سبيلًا إلى الاستقلال، وفي التكافل سندًا عند الحاجة.

 

 د. محمود محمد عبدي -- دكتور في المناهج وطرائق التدريس مدرّب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي CFEN) )