الأخلاق بين التدين والسلوك وجد زميل لي في العمل اليوم سيارته التي كانت متوقفة خارج مبنى العمل متضررة من حادث، ولم يعرف من تسبب فيه.
ثم تبيّن أن السيارة التي تسببت في الحادث غادرت المكان دون أن يعرف أحد صاحبها. أعادتني هذه الحادثة إلى واقعة أخرى حدثت قبل نحو سنة، حين اصطدمت امرأة فرنسية بسيارة أخرى كانت متوقفة على الطريق.
فنزلت من سيارتها وسألت المارة عن صاحب السيارة المتضررة، لكنها لم تجد أحدًا يعرفه أو يعرف مكانه.
فما كان منها إلا أن كتبت اسمها وعنوانها ورقم هاتفها على ورقة، وألصقتها بالسيارة المتضررة، حتى يتمكن صاحبها من الاتصال بها لاحقًا لإصلاح الضرر الذي تسببت فيه.
وهذا ما حصل بالفعل. ما أريد قوله هو أن هذه المرأة فرنسية وليست مسلمة، بينما لا نعرف على وجه اليقين مدى التزام الهارب بقيم دينه، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك للحكم على الواقعتين.
فالفارق الذي تكشفه الحادثتان هو الفارق بين تحمّل المسؤولية والتهرب منها، وبين الضمير الحي وغيابه.
قد يتربى الإنسان على الأخلاق الحسنة في مجتمع لا يدين أفراده بالإسلام، وقد ينشأ في مجتمع مسلم كابرًا عن كابر، لكنه لا يدرك من دينه إلا بعض مظاهره وشعائره، دون أن يظهر أثرها في معاملاته اليومية.
فالعبادة ليست مجرد حركات وأقوال تؤدى، وإنما يرجى أن يظهر أثرها في سلوك الإنسان وأخلاقه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
وتذكرت هنا المقولة المشهورة المنسوبة إلى الشيخ والمصلح الإسلامي محمد عبده: «ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين، وعدت إلى الشرق فوجدت مسلمين ولم أجد إسلامًا».
وهي مقولة تعبّر عن الفجوة التي قد تظهر بين القيم التي يدعو إليها الدين، والسلوك الذي يمارسه بعض المنتسبين إليه .
إن الأخلاق لا تقاس بما يعلنه الإنسان من مبادئ، ولا بمجرد انتمائه إلى دين أو مجتمع، وإنما تظهر حقيقتها في المواقف التي تتطلب الصدق والأمانة والعدل وتحمل المسؤولية. وليس المطلوب أن ننتقص من أنفسنا أو من غيرنا، بل أن نراجع سلوكنا، وأن نسأل أنفسنا: هل يرى الناس في تعاملاتنا اليومية أثر القيم التي نؤمن بها؟
فالدين الذي نعتز به ينبغي أن يظهر أثره في حياتنا، في بيوتنا ومؤسساتنا وأسواقنا وطرقاتنا، لا في شعاراتنا وعباداتنا وحدها.
بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة