تمهيد :-بعد يومين من المناقشات المكثفة، اختتمت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، الثلاثاء الماضي، ورشة توعوية خصصتها لتفكيك الإشكاليات الشرعية المرتبطة بختان الإناث، وقد ركزت أشغال هذه الورشة -التي جمعت نخبة من الأئمة والعلماء والدعاة- بشكل رئيسي حول الفتوى الشرعية لختان الإناث في جيبوتي.

 وللوقوف على خلفيات هذه الفتوى الشرعية وجهود الوزارة في التوعية والتوجيه ضد تشويه الأعضاء التناسلية لدى الإناث، التقينا برئيس الهيئة العليا للفتوى بالمجلس الأعلى الإسلامي، الشيخ عبد الرحمن محمد علي « شمس الدين» الذي قام بتنشيط الورشة، وأجرينا معه هذا اللقاء.

جريدة القرن:في مستهل هذا اللقاء، فضيلة الشيخ، نود العودة إلى البدايات: ما السياقات التي أفضت إلى إصدار هذه الفتوى الشرعية بشأن ختان الإناث في جيبوتي؟

 الشيخ عبد الرحمن شمس الدين:دعوني في البداية أتوجه إليكم بجزيل الشكر ووافر التقدير على إتاحة هذه الفرصة الثمينة، لتسليط الضوء على هذه الظاهرة والموقف الشرعي منها، حين نتحدث عن الفتوى الشرعية بشأن ختان الإناث في جيبوتي، فإننا لا نستحضر قرارًا آنياً أو موقفًا ظرفيًا، بل نستعيد عملية تراكميةً من العمل المؤسسي بدأ منذ سنة 2008، تاريخ إنشاء وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، حيث برزت الحاجة إلى معالجة هذه الظاهرة من منظور علمي يجمع بين الشرع والواقع.

لقد انخرطنا، منذ ذلك الحين، في البرنامج الوطني المشترك، جنبا إلى جنب مع وزارات الصحة والمرأة والعدل، إلى جانب الاتحاد الوطني لنساء جيبوتي، وبدعم من شركاء دوليين كاليونيسف وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

 وكان الهدف هو بناء مقاربة شمولية لا تكتفي بالإدانة، بل تؤسس لفهم عميق يُقنع ولا يُملي. وشمل هذا المسار تنظيم دورات تدريبية متخصصة للعلماء، وإيفاد بعثات علمية إلى مؤسسات مرجعية كدار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف، فضلاً عن استقدام خبراء دوليين لتبادل التجارب وتدريب العلماء والأئمة في جيبوتي، وقد أعقب ذلك إصدار العديد من البيانات التي مهدت الطريق لصدور الفتوى.

 وقد تُوّج هذا الجهد بعقد مؤتمر علمي رفيع المستوى عقد في فندق أيلا غراند بجيبوتي العاصمة في أكتوبر 2025، استمر ثلاثة أيام، وشهد مشاركة ممثلين لدار الإفتاء المصرية والدول الأعضاء في شبكة شامخات، وانتهى إلى صياغة فتوى شرعية منسجمة مع مقاصد الشريعة، ومراعية في الآن ذاته لخصوصية المجتمع الجيبوتي.

ومن المهم أن نشير إلى أن هناك دولاً سبقتنا في إصدار هذا النوع من الفتاوى، مثل جمهورية مصر العربية، ممثلةً بدار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف.

وقد وصلنا إلى هذه الفتوى بعد مشوار طويل. جريدة القرن:لا يزال هناك التباس لدى بعض فئات المجتمع حول مشروعية هذه الممارسة،كيف تقرؤون هذا الخلط؟

 وعلى أي أساس شرعي بُنيت الفتوى؟

 الشيخ عبد الرحمن شمس الدين:هذا الالتباس، في جوهره، هو نتيجة طبيعية لتداخل ما هو اجتماعي بما هو ديني، حيث تتحول بعض العادات، مع مرور الزمن، إلى ما يشبه المسلمات الدينية، رغم افتقارها إلى أي سند شرعي معتبر.

ومن هنا جاءت الفتوى لتضع حدًا لهذا الخلط، مؤكدة بوضوح لا لبس فيه أن جميع أشكال ختان الإناث، سواء كانت جزئية أو كلية، لا تستند إلى دليل شرعي صحيح، ولا يمكن إدراجها ضمن شعائر الدين أو واجباته.

 وقد اعتمدنا في ذلك على مراجعة دقيقة للتراث الفقهي، وعلى تحليل أقوال العلماء التي تعود بداياتها إلى القرن الثالث الهجري في ضوء مقاصد الشريعة، وعلى رأسها حفظ النفس وصيانة الجسد من الضرر.

كما استأنسنا بمعطيات الطب الحديث، التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ما تخلّفه هذه الممارسة من أضرار جسدية ونفسية واجتماعية، الأمر الذي يجعلها مرفوضة شرعًا، لانتفاء المصلحة وقيام الضرر.

جريدة القرن:على مستوى العمل الميداني، ما طبيعة الجهود التي بذلتها الوزارة خلال السنوات الماضية؟

 وكيف تقيمون أثرها؟

الشيخ عبد الرحمن شمس الدين:لقد حرصنا منذ البداية على ألا تبقى هذه الجهود حبيسة القاعات والمؤتمرات، بل عملنا على نقلها إلى الفضاء المجتمعي، حيث تتشكل القناعات الحقيقية.

 ولهذا، أطلقنا برامج تدريبية مستمرة لفائدة الأئمة والدعاة، ونظمنا قوافل توعوية جابت مختلف مناطق البلاد، خاصة في الأرياف حيث تكون هذه الممارسات أكثر تجذرًا. وبموازاة ذلك، أنشأنا شبكة واسعة تضم أكثر من سبعين مركزًا دعويًا في عموم التراب الوطني، تُعقد فيها لقاءات دورية مرتين شهريًا، تُطرح خلالها هذه القضايا بأسلوب حواري تفاعلي.

الأهم من ذلك أننا اعتمدنا مقاربة تقوم على الاستماع بقدر ما تقوم على التوجيه، ففهم هواجس المجتمع كان مدخلًا أساسياً لتصحيح مفاهيمه بشكل تدريجي، بعيدًا عن الصدام أو الإملاء.

 جريدة القرن:هل بدأت هذه الجهود تُترجم إلى تحولات ملموسة في الواقع؟

 الشيخ عبد الرحمن شمس الدين:يمكننا القول إننا بدأنا نلمس بوادر تحول حقيقي، سواء على مستوى الخطاب الديني أو في سلوك المجتمع.

فقد أصبح عدد متزايد من العلماء أكثر جرأة ووضوحًا في الدعوة إلى ترك هذه الممارسة، وهو أمر بالغ الأهمية، لأن الكلمة الدينية لها وزنها وتأثيرها في تشكيل الوعي العام.

أما من حيث المؤشرات، فقد سجلنا تراجعًا ملحوظاً في نسب انتشار ختان الإناث، من مستويات كانت تقارب 98% إلى نحو 74% في السنوات الأخيرة.

 ورغم أن هذه النسبة لا تزال مرتفعة، إلا أنها تعكس حجم الجهود التي تم بذلها لإقناع كافة مكونات المجتمع من التخلي عن هذه العادة المضرة جريدة القرن:كيف تنظرون فضيلة الشيخ إلى التنسيق القائم بين وزارتكم الهيئات الأخرى ذات العلاقة؟

الشيخ عبد الرحمن شمس الدين:هذا الملف بطبيعته يتجاوز حدود مؤسسة واحدة، ولذلك اعتمدنا منذ البداية على مبدأ التكامل بين مختلف القطاعات.

نعمل بشكل وثيق مع وزارات الصحة والعدل والمرأة، ونشارك في البرامج المشتركة، كما نحرص على إشراك الأئمة والعلماء في الحملات الوطنية التي تقيمها تلك الدوائر، إلى جانب التعاون المستمر مع الاتحاد الوطني لنساء جيبوتي.

 هذا التناغم بين البعد الديني والصحي والقانوني هو ما يمنح هذه الجهود قوتها، ويجعلها أكثر قدرة على التأثير والاستدامة.

جريدة القرن:ما أبرز التحديات التي لا تزال قائمة أمام القضاء على هذه الظاهرة؟

 الشيخ عبد الرحمن شمس الدين:التحدي الأكبر يتمثل في الجذور الاجتماعية العميقة لهذه العادة، حيث لا تزال بعض الأسر، خاصة في المناطق الريفية، تنظر إليها باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية.

إلى جانب ذلك، هناك تحديات مرتبطة بتطبيق القانون رقم 333 الذي يجرم الختان الأنثوي، واستمرار ممارسته من قبل بعض النسوة خفية بدوافع اقتصادية.

ولهذا، نحن ندرك أن التغيير في مثل هذه القضايا لا يكون سريعًا، بل يحتاج إلى نفس طويل، وإلى عمل تراكمي يجمع بين التوعية والتشريع والمتابعة الميدانية.

وفيما يتعلق بالآفاق المستقبلية، لدينا خطة من عام 2026 إلى 2027، والتي تتضمن تعزيز الحوار المجتمعي، والتعاون مع جمعيات المجتمع المدني، بالإضافة إلى المضي قدما في إصدار المطويات والنشرات، كذلك ترجمة الفتوى إلى اللغات المختلفة.

جريدة القرن:في الأخير ما الرسالة التي تودون توجيهها للأسر التي ما زالت مترددة في التخلي عن هذه الممارسة؟

 الشيخ عبد الرحمن شمس الدين: رسالتنا واضحة ومباشرة: ختان الإناث ليس فريضة دينية، ولا يترتب على تركه أي إثم، بل إن تركه هو الأقرب إلى مقاصد الشريعة في حفظ النفس وصيانة الكرامة الإنسانية.

واغتنم هذه الفرصة لدعوة هذه الأسر إلى فتح باب الحوار، وعدم التردد في طرح تساؤلاتها، لأننا نؤمن أن الإقناع هو السبيل الأمثل للتغيير.

كما أؤكد أن هناك تحولًا مجتمعيًا متناميًا نحو التخلي عن هذه الممارسة، وهو ما يشكل فرصة حقيقية لتسريع وتيرة التغيير.

 جريدة القرن:كلمة أخيرة، فضيلة الشيخ؟

 الشيخ عبد الرحمن شمس الدين: أتوجه بالشكر إلى جريدة القرن على دورها في مواكبة هذه القضايا الحيوية، فالإعلام شريك أساسي في بناء الوعي، وأود التأكيد في الختام أن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية، تتطلب تضافر جهود العلماء والإعلام والمؤسسات والمجتمع، من أجل حماية بناتنا، وصون كرامتهن، وبناء مستقبل أكثر إنسانية وعدلاً، والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد.

 

 أجرى الحوار محمد عبد الله عمر