بمناسبة دخول المعاهدة الجديدة للهيئة الحكومية للتنمية «الإيغاد» حيّز التنفيذ بعد مصادقة خمسة دول أعضاء، تم إجراء هذا الحوار مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد/ عبد القادر حسين عمر، لمناقشة الأبعاد الاستراتيجية والسياسية للمعاهدة.

ويتناول الحوار الإنجازات التاريخية لمنظمة الإيغاد، والانعكاسات المتوقعة على جمهورية جيبوتي ودول المنطقة، وأهمية التكامل الإقليمي في تعزيز السلام والتنمية دون المساس بالسيادة الوطنية، بالإضافة إلى الخطوات العملية المقبلة لتنفيذ المعاهدة على أرض الواقع، وما تعنيه لمستقبل الدول الأعضاء.

السؤال الأول/ معالي الوزير، بعد مصادقة خمسة دول أعضاء على هذه المعاهدة، تكون الإيغاد قد حققت خطوة تاريخية. بعيدًا عن الإجراء القانوني، ما هو الأثر الحقيقي لهذا الحدث على المنطقة؟

 الجواب/ تُعد جمهورية جيبوتي، تحت قيادة فخامة رئيس الجمهورية رئيس منظمة الإيغاد، السيد/ إسماعيل عمر جيله، أول دولة عضو تصادق على معاهدة الإيغاد، وذلك عقب اعتمادها خلال الدورة العادية الرابعة عشرة لقمة رؤساء دول وحكومات الإيغاد بتاريخ 12 يونيو 2023.

 وقد تلت هذه المصادقة مباشرة كلٌّ من إثيوبيا وجنوب السودان، ثم كينيا، وأخيرًا الصومال، وبذلك تم بلوغ النصاب القانوني، مما يعني الدخول الفعلي للمعاهدة حيّز التنفيذ.

وتُعتبر هذه المعاهدة الجديدة هي ثمرة رؤية استراتيجية جديدة لمنظمتنا تتبناها الدول الأعضاء، كما تم تعريفها في الوثيقة المعنونة بـ «الرؤية الاستراتيجية للإيغاد». وتتضمن هذه الاستراتيجية عدة جوانب:

معاهدة جديدة، هيكلية جديدة للمنظمة، وأخيراً مشروعا طموحا لمقر جديد للمنظمة في جيبوتي، حيث سيتم تجميع كافة برامج الإيغاد المقامة في الدول الأعضاء داخله بهدف توحيد الوسائل والإمكانيات.

تمثل هذه الاستراتيجية الجديدة منعطفاً رئيسياً لتعزيز تضامننا وتعاوننا الإقليمي، كما تعكس إرادة هذه الدول الأعضاء الخمس في التعاون بشأن قضايا السلام والأمن، والتنمية الاقتصادية، والتكامل الإقليمي.

 وقد تم تعزيز المعاهدة الجديدة بعدة أحكام حديثة تهدف إلى تحديث النص التأسيسي للمنظمة، والاستجابة لمتطلبات قيام تكتل اقتصادي إقليمي حقيقي في إفريقيا، على غرار المنظمات الإقليمية الإفريقية الأخرى من قبيل الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» (CEDEAO) أو ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي «سادك» (SADC).

ومن من بين المستجدات التي أُدرجت في النص والتي من شأنها تحسين سير عمل المنظمة، يمكنني أن أذكر الأحكام المتعلقة بالرئاسة الدورية، ونائب الرئيس، والمدة المحددة لولاية الأمين التنفيذي والأمين التنفيذي المساعد (وهو منصب مستحدث)، وأخيرًا مبدأ العقوبات في حالة عدم سداد المساهمات القانونية.

 السؤال الثاني/ما هو الأثر المتوقع على بلدنا نتيجة هذا الالتزام؟ الجواب/ بالنسبة لجيبوتي، فإن هذه المصادقة، إلى جانب بقية الإجراءات الاستراتيجية المعتمدة، تعزز الدور المحوري لبلادنا في الدبلوماسية الإقليمية. فعندما تأسست الإيغاد سنة 1986، لم يكن اختيار جيبوتي لاحتضان مقر المنظمة أمرًا عفوياً، بل كان يعكس منذ ذلك الحين المكانة الدبلوماسية المهمة لبلادنا.

 وفي الوقت الذي نحتفل فيه بالذكرى الأربعين لتأسيس المنظمة تحت رئاسة جيبوتي، باتت الإيغاد تحظى، رغم التحديات، بإجماع دولي باعتبارها فاعلًا رئيسيًا ومنظمة إقليمية إفريقية لا غنى عنها.

وعلاوة على ذلك، تتولى الإيغاد حاليًا، عبر أمينها التنفيذي الدكتور وركني جبييهو، رئاسة منصة التنسيق لجميع التكتلات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية الثمانية.

 وبالتالي فإن الأثر السياسي والاقتصادي لهذه المكانة والالتزامات ليس بالهين.

 وهذا يتيح لنا تكثيف جهودنا وتآزرنا الإقليمي مع الدول الأعضاء، مع التركيز بشكل خاص على إدارة الموارد الطبيعية، وتسهيل التجارة عبر الحدود بما يتماشى مع الالتزام القاري المتمثل في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAF)، والتركيز كذلك على القضايا الأمنية.

السؤال الثالث/ بعض المراقبين والمواطنين يخشون أن يؤدي تعميق الاندماج الإقليمي إلى المساس بالسيادة الوطنية.

 ماذا تردون على من يرى في هذه المعاهدة خطرًا على استقلال القرار الوطني؟

الجواب/ يجب أن نعلم أن التكامل الإقليمي لا يعني التخلي عن السيادة، بل على العكس، هو توحيد للوسائل في مواجهة التحديات المشتركة. 

ومن خلال التوفيق بين الاستقلال الوطني والتآزر الجماعي، تحافظ كل دولة عضو على هويتها، وفي الوقت ذاته تعزز وزنها الاستراتيجي.

ومن البديهي أن أي تكامل اقتصادي إقليمي ناجح لا يمكن أن يتحقق إلا في بيئة يسودها السلام التام، وتعمل جميع دول المنطقة بجد لإرساء السلام والاستقرار من خلال الحوار والوساطة.

السؤال الرابع/ بما أنه قد تم الوصول إلى النصاب القانوني الآن، فما هي الخطوة التالية؟ 

هل يمكنك تزويدنا بتفاصيل خارطة الطريق للانتقال من الالتزامات الدبلوماسية إلى التنفيذ الملموس على الأرض؟

الجواب/ يتطلب دخول المعاهدة حيّز التنفيذ الآن مواءمة دقيقة بين السياسات الوطنية للدول الأعضاء ورؤية الإيغاد.

وتقوم هذه المرحلة العملية على المشاركة الفعالة في هيئات اتخاذ القرار، وتعبئة الموارد المالية والبشرية للمشاريع الإقليمية. وفي الوقت ذاته، ستواصل جيبوتي جهودها الدبلوماسية من أجل تحقيق مصادقة شاملة من جميع الدول الأعضاء، باعتبار ذلك ضمانة لتعميق الاندماج وتحقيق ازدهار مشترك.

ولا تقتصر خارطة الطريق على تنفيذ المعاهدة فقط، بل تشمل أيضًا أولويات عاجلة أخرى، من أهمها تحقيق الاستقرار المالي للمنظمة، وضمان استقلاليتها المالية الكاملة.

وأود أن أشيد بالمهنية العالية التي يتحلى بها كوادر المنظمة في ترشيد النفقات وإدارة الموارد، كما أحيي جهود الأمين التنفيذي في هذا المجال.

وبصفتنا دولة عضو ورئيسًا للإيغاد حاليًا، فنحن واثقون من قدرتنا على تعبئة جميع الدول الأعضاء لتحقيق الاستقلال المالي الكامل للمنظمة.

 السؤال الخامس/ في الختام ما الرسالة التي توجهونها للمواطنين حول مستقبل جيبوتي داخل الإيغاد؟

 الجواب/ أود أن أؤكد لمواطنينا على الأهمية الجوهرية لوجود هذه المنظمة.

فالإيغاد تظل الإطار الإقليمي الوحيد القادر على تعزيز السلام، ترسيخ الأمن، ضمان الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، وذلك عبر تسوية النزاعات بالطرق السلمية، واحترام سيادة الدول الأعضاء، إلى جانب تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

ورغم التحديات، فإن عزيمتنا ثابتة للحفاظ على تماسك منظمتنا، وإعادة بنائها على أسس قوية، وتعزيز إشعاعها إقليميًا وقاريًا ودوليًا.

وهذا الهدف ممكن التحقيق. ودخول المعاهدة الجديدة حيّز التنفيذ يمثل إنجازًا مهمًا ضمن مجموعة من الأهداف الكبرى التي رسمناها لأنفسنا.

كما ندعو جميع مؤسسات الدولة إلى تقديم الدعم الكامل، لأن التعاون الإقليمي أصبح ضرورة أساسية لتحسين جودة حياة شعوبنا بشكل ملموس.

وأغتنم هذه المناسبة لأعبر عن بالغ امتناني لفخامة رئيس الجمهورية، السيد/ إسماعيل عمر جيله، على تفانيه المستمر وقيادته الحكيمة في الحفاظ على وحدة المنطقة وسلامها وازدهارها.

كما أحيي الدور المحوري للأمين التنفيذي، الدكتور ورقني جبييهو، ومساعديه، الذين كان لجهودهم أثر حاسم في إنجاح مسار المصادقة على هذه المعاهدة.