في مبادرة تعكس توجهاً متصاعداً نحو توظيف التقنيات الحديثة لخدمة اللغات المحلية، شهد مجال الذكاء الاصطناعي المطبّق على اللغات الإفريقية خطوة نوعية جديدة، عبر تعزيز التعاون العلمي بين جيبوتي والصومال، وفي هذا السياق، احتضن فندق الجزيرة بالعاصمة الصومالية مقديشو فعالية علمية بارزة، تمثلت في عرض مشروع بحثي مبتكر حول كشف الأخبار الزائفة الموجّهة لمستخدمي الإنترنت الناطقين باللغة الصومالية، إلى جانب الإعلان عن إطلاق مختبر الذكاء الاصطناعي والابتكار للغة الصومالية (SAIL) .
ويأتي هذا المشروع، المعنون «الأخبار الزائفة المكتوبة باللغة الصومالية على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام المعالجة الآلية للغة الطبيعية والتعلّم العميق»، ضمن ديناميكية علمية طموحة تهدف إلى تمكين اللغة الصومالية من أدوات تكنولوجية متقدمة، بالاعتماد على أحدث تقنيات معالجة اللغة الطبيعية والتعلّم العميق.
في هذا الصدد، انعقدت المناسبة بحضور نخبة من الباحثين وصنّاع قرار، من بينهم كل من مدير مركز أبحاث الرياضيات والرقمنة، CRMN، الدكتور حسين أحمد عسوه، مدير المركز الأفريقي للتميز في الخدمات اللوجستية والنقل CEALT، والدكتور سليمان عمر حوش، من جامعة جيبوتي، واللذين اضطلعا بدور محوري في تصميم هذا المشروع وتنفيذه، في إطار تعاون يتجاوز الطابع المؤسسي ليعكس رؤية استراتيجية ترمي إلى ترسيخ مكانة المنطقة كمركز ناشئ للذكاء الاصطناعي الموجّه للغات الإفريقية.
وشكّل هذا العمل نموذجًا متقدمًا للتعاون العلمي في منطقة القرن الإفريقي، مجسداً شراكة أكاديمية منظَّمة بين جامعة جيبوتي، عبر مركز البحث في الرياضيات والرقمنة (CRMN) ومركز CEALT، وجامعة Jamhuriya في مقديشو ممثلة بمركز الدراسات العليا (CGS).
ولم تقتصر مخرجات هذه الأبحاث على الإطار الأكاديمي، بل حظيت أيضًا باعتراف دولي من خلال نشر عدد من الدراسات في مجالات علمية مرموقة، فضلًا عن تتويج المشروع بجائزة أفضل ورقة علمية خلال ورشة AfricaNLP، المقامة ضمن المؤتمر الدولي ACI، أحد أبرز المحافل العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية.
ويعكس هذا التتويج جودة العمل العلمي المنجز، كما يؤكد الحضور المتنامي لباحثي منطقة القرن الإفريقي في هذا المجال على الصعيد الدولي.
وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور حسين أحمد عسوه أن هذا التعاون مرشّح لمزيد من التطوير، بهدف تسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة اللغة الصومالية، مشيرًا إلى أن الطموح يتمثّل في نقلها من وضعها كلغة محدودة الموارد إلى لغة مهيأة بالكامل ومندمجة في المنظومات الرقمية المعاصرة.
وفي ظل محدودية حضور اللغات الإفريقية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، تمثّل هذه المبادرة تحوّلًا نوعيًا، كما تفتح آفاقًا واسعة لتطوير أدوات ترجمة آلية فعّالة، ومساعدات صوتية باللغة الصومالية، وأنظمة تعليم ذكية ملائمة للسياقات المحلية، فضلًا عن حلول متقدمة لمكافحة التضليل الإعلامي.
وعلى نطاق أوسع، يجسّد هذا التعاون بين جيبوتي والصومال نموذجًا لشراكة إقليمية قائمة على المعرفة والابتكار وتعزيز السيادة التكنولوجية، في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى ترسيخ حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ومع إطلاق مشاريع من قبيل مختبر SAIL، وتنامي التنسيق الأكاديمي، تتطلع منطقة القرن الإفريقي إلى تعزيز موقعها تدريجيًا ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي، في حين يظل التحدي قائمًا في تحقيق هذه المكتسبات، واستقطاب التمويلات، إلى جانب بناء استراتيجية إقليمية مستدامة قادرة على تحويل هذه المبادرات إلى حلول عملية تخدم المجتمعات.