يشكّل تطوير قطاعي التربية الوطنية والتعليم العالي في جمهورية جيبوتي من أهم المحاور الأساسية في السياسات العامة، ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى جعل الإنسان محور التنمية وترسيخ منظومة تعليمية قادرة على مواكبة متطلبات العصر.
التعليم كخيار استراتيجي لبناء الدولة
في مجال التربية الوطنية، يُعدّ عام 1999 محطة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة التربوية، حيث تزامن انتخاب رئيس الجمهورية مع إطلاق «المناظرات العامة حول التعليم الوطني» في ديسمبر من العام ذاته، وهي محطة تأسيسية أفضت إلى بلورة رؤية إصلاحية شاملة.
وقد تُوّج هذا المسار باعتماد قانون التوجيه التربوي لسنة 2000، الذي أحدث تحولًا نوعيًا في القطاع، حيث جعل التعليم الأساسي مجانيًا وإلزاميًا لمدة تسع سنوات، مع التركيز على تكافؤ الفرص، وتنمية المعارف والمهارات والقيم لدى التلاميذ.
ولضمان تعميم التعليم وتقليص الفوارق المجالية، اعتمدت الحكومة برامج لتوسيع البنية التحتية التعليمية، من خلال بناء مؤسسات جديدة وتوسعة القائم منها، خاصة في الأقاليم الداخلية.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع عدد التلاميذ في التعليم الأساسي إلى أكثر من 150 ألف تلميذ، يؤطرهم نحو 6000 معلم.
وفي إطار مواصلة تطوير المنظومة التربوية، تم تعزيز انتشار المؤسسات التعليمية في مختلف الأقاليم، بهدف الحد من تنقل التلاميذ نحو العاصمة، وترسيخ مبدأ العدالة المجالية في الولوج إلى التعليم.
كما حظي قطاع التعليم التقني والمهني بعناية خاصة، من خلال تحديث التجهيزات وتطوير البنية التحتية، إلى جانب تعزيز قدرات الأطر التربوية، وتوسيع شبكة المؤسسات على امتداد مختلف مناطق البلاد، بما ينسجم مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية الاقتصادية.
من جهة أخرى، تحتل جودة التعليم موقعًا محوريًا في السياسة التعليمية، وهو ما يتجلى في الدور الاستراتيجي لمركز الأبحاث والإعلام والإنتاج التربوي (CRIPEN)، الذي يُعد ركيزة أساسية في تطوير المناهج والوسائل التعليمية والأدوات البيداغوجية، وإنتاج الكتب المدرسية، إضافة إلى دعم البحث التربوي وتشجيع الابتكار.
وفي إطار تعزيز السيادة التربوية، تولى المركز خلال الفترة ما بين 2006 و2015 إنتاج وإصدار الكتب المدرسية لمختلف المراحل التعليمية، إلى جانب تطوير المحتوى السمعي البصري التعليمي وتنفيذ حملات توعوية داخل الوسط المدرسي.
وفي إطار تعزيز التميز الأكاديمي، شهد القطاع سنة 2017 افتتاح مدرسة التميز، التي تهدف إلى تكوين نخبة من الطلاب والطالبات داخل بيئة تعليمية متقدمة.
وقد أثمر هذا النموذج نتائج لافتة، حيث سجلت أول دفعة سنة 2022 نسبة نجاح كاملة في شهادة البكالوريا، مع حصول أغلب الطلبة على تقديرات متميزة، ما يعكس نجاح هذا التوجه في الاستثمار في النماذج التعليمية النوعية.
بدوره شهد التعليم الثانوي توسعًا ملحوظًا عبر إنشاء مؤسسات في حواضر الأقاليم، بما يخفف الضغط على العاصمة ويعزز العدالة في الولوج إلى التعليم.
وفي السياق نفسه، تم تطوير قطاع التعليم التقني والمهني من خلال تحديث التجهيزات وتوسيع الشبكة التكوينية بما يتماشى مع حاجيات سوق العمل.
التعليم العالي والبحث العلمي..
إنجازات وتطورات نوعية أما في مجال التعليم العالي، فقد شهدت جيبوتي تحولًا كبيرًا من محدودية فرص الدراسة الجامعية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة.
ففي بداية الألفية، كان عدد محدود من الحاصلين على البكالوريا يواصلون دراستهم، غالبًا في الخارج، قبل أن يتم العمل على توسيع التعليم العالي داخل البلاد عبر إنشاء القطب الجامعي سنة 2000، ثم تطوير الإطار المؤسساتي بإحداث وزارة التعليم العالي والبحث سنة 2011.
وتُعد جامعة جيبوتي، التي تأسست سنة 2006، الركيزة الأساسية للتعليم العالي، إذ تستقبل حاليا حوالي 11 ألف طالب وطالبة في مختلف التخصصات، تشمل العلوم، والهندسة، والطب، والآداب، مع تطوير برامج الماستر والدكتوراه.
وقد ساهمت كلية الهندسة في تخريج أكثر من 300 مهندس منذ 2012، ما يدعم مشاريع التنمية الوطنية.
كما يلعب المعهد العالي للعلوم الصحية دورًا مهمًا في تأهيل الكوادر الطبية وشبه الطبية، بما يعزز قدرات النظام الصحي.
وفي موازاة ذلك، يشهد مجال البحث العلمي تطورًا ملحوظًا عبر مركز الدراسات والبحوث بجيبوتي (CERD)، الذي يربط البحث العلمي بأولويات التنمية، من خلال دراسات في مجالات البيئة، الأمن الغذائي، التغيرات المناخية، وعلوم الأرض، إضافة إلى القضايا الاستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي.
وقد تم تعزيز هذا الدور بإنشاء المرصد الإقليمي للبحوث البيئية والمناخية، وإطلاق برامج دكتوراه متخصصة في قضايا المناخ والاستدامة.
في المجمل، تعكس هذه الإصلاحات المتواصلة رؤية وطنية متكاملة تقوم على الاستثمار في التعليم والتكوين والبحث العلمي، باعتبارها رافعات أساسية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتعزيز رأس المال البشري، وتحقيق تنمية مستدامة وشاملة في جيبوتي.