في وقت يتسم فيه العالم بتحولات عميقة وتحديات متزايدة التعقيد، يفرض تعزيز أسس الاستقرار الداخلي نفسه كضرورة استراتيجية لا غنى عنها.

 فهو يشكل، في الواقع، القاعدة الأساسية الضامنة لاستمرارية التنمية والحفاظ على المكتسبات الوطنية.

في جمهورية جيبوتي، تحتل مفاهيم الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، منذ فجر الاستقلال، مكانة مركزية في بناء الدولة. وهي تشكل الإطار الجامع الذي تتضافر فيه جهود كافة مكونات الأمة، من أجل بناء مستقبل آمن ومزدهر.

تكمن فرادة التجربة الجيبوتية في قدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي، رغم وجودها في بيئة إقليمية تتسم بالعديد من الاضطرابات، مقدمة بذلك نموذجاً للتعايش السلمي والتضامن الوطني.

 في هذه الديناميكية، يظهر السلم الاجتماعي كركيزة أساسية للاستقرار. فهو يرسي مناخاً من الثقة والطمأنينة، مع تعزيز بزوغ ثقافة تقوم على الحوار والتسامح واحترام الآخر. وتسمح هذه القاعدة بترسيخ قيم المواطنة والانتماء، مع تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات بمرونة وفعالية.

منذ الاستقلال في عام 1977، شكلت هذه المبادئ الأساس الذي بنيت عليه جمهورية جيبوتي. وقد أدركت السلطات الوطنية مبكراً أن الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز السلم الاجتماعي يمثلان خياراً استراتيجياً حاسماً لضمان الاستقرار ودعم التنمية.

 ورغم التحديات التي واجهتها على مر السنين، تمكنت جيبوتي من الحفاظ على تماسكها وتعزيز مسارها نحو الاستقرار.

ويعتمد هذا الصمود على حكمة قادتها ونضج شعبها.

وفي هذا السياق، شكل «اتفاق أبعا» لعام 1994 خطوة حاسمة، حيث فتح الطريق أمام ديناميكية المصالحة الوطنية وكرس السلام كخيار دائم قائم على الحوار والتوافق. 

ويجسد هذا المنعطف درجة عالية من النضج السياسي والمسؤولية الوطنية، فضلاً عن إرادة قوية للحفاظ على الاستقرار واستبعاد أي خطر للانقسام، في بيئة إقليمية دائمة التطور.

 واستمراراً لهذا النهج، يعمل الرئيس إسماعيل عمر جيله، منذ توليه سدة الحكم، على ترسيخ رؤية شاملة تقوم على السلام والوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

ولا يقتصر هذا التوجه على الخطابات، بل يترجم إلى سياسات ملموسة ومبادرات تهدف إلى تعزيز الاستقرار وتعزيز التعايش السلمي.

ومن خلال مواقفه وخطاباته، لا سيما بمناسبة الأعياد الوطنية والدينية، يؤكد باستمرار على أهمية الوحدة الوطنية والعيش المشترك، محذراً في الوقت نفسه من مخاطر الانقسامات، والتصدعات المجتمعية وأشكال التطرف، مما يساهم في تعزيز تماسك وصمود المجتمع.

وعلى الصعيد الإقليمي، تلعب جيبوتي دوراً فاعلاً في تعزيز السلام في القرن الأفريقي، إيماناً منها بأن أمنها الوطني مرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار محيطها.

كما يشهد استقبال آلاف اللاجئين على التزامها الإنساني، رغم القيود المرتبطة بمواردها المحدودة.

ويعكس هذا الالتزام ثبات تمسكها بقيم التضامن، فضلاً عن قناعتها بأن الاستقرار الإقليمي يشكل مسؤولية مشتركة لا تتجزأ عن الأمن الداخلي.

 في هذا السياق، تظل الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي رافعتين أساسيتين لدعم ديناميكيات التنمية في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، مما يساهم في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

باختصار، فإن مكتسبات الاستقلال، وفي مقدمتها السلام والوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، تشكل الركيزة الأساسية لعملية البناء والتنمية في جمهورية جيبوتي.

 ويظل الحفاظ عليها وتعزيزها مسؤولية جماعية ضرورية لضمان مستقبل مستقر ومزدهر ومستدام.