لم يكن تنصيب رئيس الجمهورية السيد/ إسماعيل عمر جيله لولاية رئاسية جديدة مدتها خمس سنوات، عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في العاشر من أبريل الماضي بنسبة بلغت 97.8 بالمائة، مجرد استحقاق دستوري أو مناسبة بروتوكولية، بل حمل في طياته رسائل سياسية واستراتيجية عميقة تعكس ملامح مرحلة جديدة في مسيرة الدولة الجيبوتية.
فالمشهد الذي رافق مراسم أداء اليمين الدستورية، بحضوره الإقليمي والدولي الواسع ومشاركة وفود رسمية من عشرات الدول والمنظمات، عكس بوضوح المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها جيبوتي على الساحتين الإقليمية والدولية، والثقة المتزايدة في قدرتها على الحفاظ على استقرارها السياسي والأمني وسط محيط إقليمي مضطرب.
وجاء هذا التنصيب في ظرف إقليمي دقيق تتداخل فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، بدءًا من النزاعات والأزمات التي تشهدها بعض دول الجوار، وصولًا إلى تصاعد التنافس الدولي حول الممرات البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي خضم هذه التحولات، استطاعت جيبوتي أن تقدم نموذجًا قائمًا على الاستقرار السياسي، والتعايش المجتمعي، والانفتاح الاقتصادي، وهو ما مكنها من الحفاظ على توازنها وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
ومنذ توليه قيادة البلاد قبل أكثر من عقدين، انتهج الرئيس جيله سياسة جمعت بين الواقعية السياسية والطموح التنموي، عبر تحويل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لجيبوتي إلى رافعة اقتصادية وسياسية عززت مكانة الدولة في معادلات التجارة والأمن الإقليميين.
ويتجلى ذلك في مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتطوير الموانئ والمناطق الحرة، وربط البلاد بشبكات النقل والتجارة الإقليمية، إلى جانب توسيع مجالات الاستثمار والشراكات الدولية. كما تميزت التجربة الجيبوتية بقدرة القيادة السياسية على إدارة التحديات بحكمة وتوازن، سواء فيما يتعلق بالحفاظ على الأمن الداخلي أو بتحصين البلاد من تداعيات الأزمات الإقليمية، اعتمادًا على سياسة قائمة على الاعتدال والانفتاح وبناء الشراكات المتوازنة.
وقد حمل خطاب التنصيب الذي ألقاه رئيس الجمهورية عقب أدائه اليمين الدستورية رسائل واضحة تؤكد مواصلة الرهان على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ السلم الاجتماعي، إلى جانب دعم القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة وتمكين المرأة.
كما عكست التغطية الإعلامية الدولية الواسعة للحدث تنامي الاهتمام بالدور المحوري الذي تضطلع به جيبوتي في منطقة القرن الإفريقي، خصوصًا في ظل موقعها الاستراتيجي عند ملتقى أهم الممرات البحرية العالمية.
وبذلك، لم تعد جيبوتي مجرد دولة صغيرة في القرن الإفريقي، بل أصبحت فاعلًا إقليميًا مهمًا وشريكًا موثوقًا في قضايا الأمن والتجارة والتعاون الدولي.