دعت جمهورية جيبوتي المجتمع الدولي إلى مضاعفة الجهود الرامية إلى تعزيز دور الوساطة في منع النزاعات وتسويتها سلمياً، مؤكدة أن التحديات الجيوسياسية المتزايدة والصراعات المعقدة التي يشهدها العالم تفرض اعتماد مقاربات أكثر فعالية ومرونة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

جاء ذلك في كلمة ألقاها ممثل جيبوتي الدائم لدى الأمم المتحدة السفير محمد زياد دعاله، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الاثنين الماضي، وذلك خلال جلسة مخصصة لمناقشة «تعزيز دور الوساطة في التسوية السلمية للنزاعات ومنعها وحلها».

وأكد السفير أن توقيت المناقشة يكتسي أهمية خاصة في ظل تصاعد الأزمات الدولية، مشيراً إلى أن القرار الأممي رقم 70/304 الصادر عام 2016 أسهم في ترسيخ الوساطة كإحدى الركائز الأساسية لعمل الأمم المتحدة، بعدما كانت تُنظر إليها في السابق كأداة دبلوماسية مساندة.

وأضاف أن القرار المستند إلى المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، عزز مكانة الوساطة كوسيلة رئيسية لمنع النزاعات وإدارتها وتسويتها.

 وأوضح أن الأمم المتحدة طورت خلال السنوات الماضية منظومة متكاملة لدعم جهود الوساطة تشمل المساعي الحميدة للأمين العام، وإدارة الشؤون السياسية وبناء السلام، ووحدة دعم الوساطة، والمبعوثين الخاصين والخبراء المتخصصين وصندوق بناء السلام.

 إلا أنه أشار إلى أن الانقسامات السياسية بين الدول والفاعلين الخارجيين ما تزال تعرقل التحرك المبكر لمعالجة الأزمات، رغم توفر آليات الإنذار المبكر.

 وفي هذا السياق، دعا السفير الجيبوتي إلى إعطاء الدبلوماسية الوقائية أولوية قصوى ضمن أجندة الأمم المتحدة للسلم والأمن، مشدداً على ضرورة التدخل في المراحل الأولى للتوترات قبل تحولها إلى نزاعات طويلة الأمد يصعب احتواؤها.

 كما طالب الدول الأعضاء بتوفير دعم سياسي أقوى للوسطاء والمبعوثين الخاصين، ومواصلة برامج التدريب والتأهيل التي تنظمها الأمم المتحدة، مع زيادة الموارد المالية المخصصة لجهود الوساطة.

 وأكد أن الاستثمار في الوساطة والدبلوماسية الوقائية وبناء السلام أقل تكلفة وأكثر فعالية من عمليات حفظ السلام وإعادة الإعمار بعد انتهاء النزاعات.

وأشاد السفير بالتقدم الذي تحقق في إشراك النساء في عمليات السلام والوساطة منذ اعتماد القرار الأممي عام 2016، معتبراً ذلك أحد أبرز الإنجازات المحققة خلال العقد الأخير، وأوضح في هذا السياق أن وتيرة التقدم لا تزال أبطأ من المأمول وتتطلب مزيداً من الجهود الدولية.

ودعا كذلك إلى توسيع التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية ودون الإقليمية، مشيراً إلى أن العديد من هذه المنظمات أظهرت فعالية كبيرة في إدارة الأزمات بفضل قربها من الواقع الميداني وفهمها العميق للسياقات المحلية.

واستشهد في هذا الإطار بتجارب الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

 وفي معرض حديثه عن طبيعة النزاعات المعاصرة، أوضح السفير أن الوساطة تواجه اليوم تحديات جديدة تتمثل في تنامي دور الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية والشبكات الإجرامية، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بالتغير المناخي والتحديات العابرة للحدود.

 وأكد ضرورة تطوير أدوات الأمم المتحدة وخبراتها لمواكبة هذه التحولات، وبناء شراكات قادرة على الحد من تأثير التنافس الجيوسياسي بين القوى الخارجية.

 وجدد السفير دعاله التزام جيبوتي بقيادة الرئيس إسماعيل عمر جيله، بدعم جهود الوساطة والعمل مع شركائها في منطقة القرن الأفريقي على تعزيز الحوار والتسويات السياسية باعتبارها السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والتنمية.

 واختتم السفير كلمته بالتأكيد على أن الأمم المتحدة أُنشئت أساساً لمنع الحروب، وأن الوساطة تظل أداتها الأكثر قيمة لتحقيق هذه الغاية، داعياً إلى استخدامها بصورة أكثر جرأة واتساقاً وفعالية لمواجهة التحديات الراهنة وترسيخ السلام المستدام في مختلف أنحاء العالم.