احتفلت جمهورية جيبوتي، يوم أمس الأول الثلاثاء، على غرار سائر الدول الإسلامية، بحلول العام الهجري الجديد 1448، والذي يعدُّ مناسبة دينية عظيمة تحظى بمكانة خاصة في وجدان المسلمين، إذ تستدعي إلى الأذهان ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، ذلك الحدث المفصلي الذي شكّل نقطة تحول بارزة في تاريخ الإسلام، وأرسى أسس مرحلة جديدة في مسيرة الدعوة الإسلامية وبناء مجتمع قائم على مبادئ الإيمان والعدل والتكافل.
وشهدت مختلف أنحاء البلاد بهذه المناسبة المباركة عطلة رسمية تشمل المؤسسات والإدارات العامة والخاصة، في تعبير عن المكانة الرفيعة التي تحتلها هذه الذكرى في الوعي الديني والثقافي للمجتمع الجيبوتي، الذي يحرص على إحياء المناسبات الإسلامية واستلهام ما تحمله من قيم ومعانٍ سامية تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الأخلاق الفاضلة.
وتمثل دلالات الهجرة النبوية -فضلا عن كونها انتقالاً جغرافياً من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة- محطة تاريخية فارقة انتقل فيها المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والمؤسسات، حيث مهدت لقيام أول مجتمع إسلامي متكامل يقوم على الأخوة والتعاون واحترام الحقوق وتحمل المسؤولية المشتركة.
كما جسدت معاني الإيمان الراسخ والثقة المطلقة بالله تعالى، والإصرار على مواصلة الرسالة رغم ما واجهته من تحديات وصعوبات.
وتحمل هذه الذكرى في كل عام رسائل متجددة تدعو إلى التأمل في القيم التي جسدتها السيرة النبوية، وفي مقدمتها الصبر على الشدائد، والثبات على المبادئ، والعمل الجاد من أجل تحقيق الأهداف النبيلة وخدمة المجتمع.
كما تبرز أهمية التخطيط السليم والأخذ بالأسباب، وهي معانٍ تجلت بوضوح في أحداث الهجرة النبوية التي شكلت نموذجاً متكاملاً في حسن التدبير والإدارة والتضحية من أجل المصلحة العامة.
وفي هذا السياق، أوضح إمام مسجد لوتا، الشيخ جمال عُسلييه، أن الهجرة النبوية جاءت بعد ثلاثة عشر عاماً من المعاناة والاضطهاد الذي تعرض له الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة المكرمة، مشيراً إلى أن تلك المرحلة كانت مليئة بالتحديات التي استوجبت قدراً كبيراً من التحمل والثبات والإيمان العميق بعدالة الرسالة التي يحملها النبي الكريم.
وأضاف أن رحلة الهجرة كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً أسهم في بناء مجتمع جديد قائم على قيم العدالة والمساواة والتآخي، مؤكداً أن ما تحقق من نجاحات في المدينة المنورة بعد الهجرة يشكِّل درساً تاريخياً في أهمية التلاحم المجتمعي والعمل المشترك من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية.
وأكد الشيخ جمال عُسلييه أن الاحتفاء بالعام الهجري الجديد يمثل فرصة متجددة لاستحضار الدروس والعبر المستمدة من السيرة النبوية الشريفة، لا سيما في ظل ما تواجه المجتمعات المعاصرة من تحديات جسام، حيث تظل قيم التسامح والتعاون والتضامن والتمسك بالمبادئ الأخلاقية عوامل أساسية في بناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة.
كما دعا إلى استثمار هذه المناسبة في تعزيز روح المسؤولية الفردية والجماعية، وترسيخ ثقافة الحوار والتآخي بين أفراد المجتمع، بما يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وصون المكتسبات التي تحققت على مختلف الأصعدة.
واغتنم الشيخ جمال عُسلييه هذه المناسبة المباركة لرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى رئيس الجمهورية، السيد/ إسماعيل عمر جيله، وإلى الشعب الجيبوتي، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، سائلاً المولى عز وجل أن يجعل العام الهجري الجديد عام خير وبركة وأمن واستقرار، وأن يديم على جيبوتي وسائر البلدان الإسلامية نعمة السلم والتنمية والازدهار.
وتظل ذكرى الهجرة النبوية الشريفة مناسبة سنوية لتأكيد التمسك بالقيم السمحة التي حملتها هذه الرحلة المباركة، واستعراض معاني الإخلاص والتضحية والعطاء، وتجديد العهد على مواصلة العمل من أجل تعميق مبادئ التعايش والتكافل والوحدة، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة.