تُقدّم قراءة صفحات التاريخ النقدي لجمهورية جيبوتي نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التحديات الجيوسياسية الحركية إلى انتصارات سيادية وتنموية واعدة؛ ففي عام 1949 لم يكن ميلاد الفرنك الجيبوتي مجرد إجراء تقني أو تسوية عابرة أملتها ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل كان قراراً استراتيجياً يحمل أبعاداً وطنية عميقة ورؤية ثاقبة استشرفت المستقبل بذكاء.

لقد جسّد إنشاء هذه العملة القوية تلاحماً فريداً بين الهوية الوطنية والبراعة الاقتصادية، حيث نجحت جيبوتي عبر آلية «مجلس النقد» والربط الذكي بالدولار في صياغة مفهوم مبتكر للسيادة يُعرف اليوم بـ «السيادة العلاقاتية».

هذا الخيار لم يمنح جيبوتي حصانة تاريخية ضد العواصف والتقلبات التي أطاحت بعملات إقليمية وقارية عديدة فحسب، بل تحوّل بمرور العقود إلى ركيزة أساسية استندت إليها الدولة لبناء نموذجها التنموي الفريد.

 يقف الفرنك الجيبوتي اليوم كرمزٍ شاهدٍ على الحصافة والدبلوماسية والعبقرية الوطنية، محولاً هذا البلد بموقعه المحوري وموانئه الاستراتيجية إلى واحة مدفوعات آمنة، ومركز لوجستي ورقمي رائد في القرن الأفريقي؛ إنه يثبت للعالم أجمع أن قوة العملة واستقرارها لا يقاسان بحجم المساحة الجغرافية، بل بمدى وعي الأمة وقدرتها على تطويع التوازنات الدولية الكبرى لخدمة استقلالها المالي وبناء مستقبل اقتصادي راسخ ومستدام.

المادة:1 :1949 الولادة الخفية لنموذج نقدي فريد في مواجهة منافسة العملات الإقليمية والاضطرابات الناجمة عن النظام الاقتصادي العالمي الجديد المنبثق عن «بريتون وودز»، أنشأ الساحل الفرنسي للصومال، وهو مستعمرة فرنسية معزولة في القرن الأفريقي عملة محلية قابلة للتحويل إلى الدولار.

 و خلف هذا القرار- الذي أُعِدَّ في سرية تامة لنحو عامين- تتشكل واحدة من أكثر التجارب النقدية أصالة في الإمبراطورية الفرنسية، ومقدمة لنموذج لا يزال إرثه يصيغ الاقتصاد الجيبوتي حتى اليوم.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شغل الساحل الفرنسي للصومال (CFS) — جمهورية جيبوتي الحالية — موقعاً لم يعد بإمكان باريس تجاهله.

وباعتباره محطة بحرية نحو الهند الصينية ومدغشقر، ومَنفذاً لسكك حديد إثيوبيا، وقاعدة جوية مستقبلية للاتحاد الفرنسي أصبح الإقليم بعد الانسحاب الفرنسي من بلاد الشام وإغلاق قاعدة بيروت وهي المحور اللوجستي لقوس (هند-سويس).

وقد منحتها هذه المركزية الجغرافية قوة تفاوضية لم يكن بإمكانه سوى القليل من المستعمرات المطالبة بها.

ومع ذلك، تعايشت هذه الأهمية الاستراتيجية مع هشاشة نقدية عميقة.

فبين عامي 1940 و1949، عانى الفرنك الاستعماري من أزمة مزدوجة.

أولاً: تسبب حصار الحلفاء (1940-1943) في تضخم ائتماني وانخفاض قيمة العملة الورقية المتداولة.

ثم تحولت عملية الإصلاح التي قادتها الخزانة المركزية لفرنسا الحرة في يناير 1943- ولسوء الحظ- إلى صدمة محلية حقيقية.

 فقد فرض ختم الأوراق النقدية خصماً عقابياً بنسبة 90% على جميع الأوراق النقدية التي لم تُقدّم في المواعيد المحددة، مما أضر بشكل خاص بالسكان البدو الذين لم تكن تنقلاتهم على ظهور الجمال أو المراكب الشراعية تسمح لهم بالالتزام بالجدول الزمني.

واختفى ثلث الكتلة النقدية في غضون ثلاثة أشهر، مما خلق حالة من عدم الثقة الحقيقية لدى السكان تجاه المتروبول (الدولة الأم).

التآكل الصامت للشرعية النقدية إن الانضمام إلى منطقة فرنك المستعمرات الفرنسية في أفريقيا (CFA) عام 1945، وهي حلقة شبه مجهولة في ذاكرتنا الجماعية لم يساهم في استعادة الثقة بأي حال من الأحوال.

 فقد أدت أربعة انخفاضات في القيمة خلال خمس سنوات إلى تآكل ما تبقى من مصداقية لهذا النظام النقدي نهائياً.

 كما رفضت الأطراف الاقتصادية الفاعلة العملة الرسمية بشكل جماعي لصالح منظومة «حيوية» من العملات الإقليمية: تالر ماريا تيريزا، المتواجد في كل مكان على الرغم من حظره الرسمي في إثيوبيا، والروبية الهندية، المهيمنة في عدن، والشلن شرق الأفريقي، والدولار الإثيوبي، وكلها مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالجنيه الإسترليني.

وتلخص بعض المذكرات لمفتش المستعمرات يعود تاريخها إلى عام 1947 الوضع بشكل فج؛ حيث رفضت العمالة اليمنية، الأكثر تأهيلاً في الميناء، الادّخار بالفرنك وطالبت بتقاضي أجورها بالروبية، أولاً بنسبة الربع، ثم بثلثي الراتب.

 ويلاحظ الكاتب: «في ظل هذه الظروف تميل السيادة النقدية لفرنسا إلى أن تصبح كلمة فارغة».

 وكان التشخيص حاسماً،فبدون شرعية اجتماعية لا يمكن للعملة أن تؤدي وظيفتها. ويسلط الكاتب الضوء على هذه النقطة بدقة مذكراً بما سيصيغه لاحقاً (أجلييتا، وأورليان، أو تيريه): العملة هي مسألة ثقة أولاً وقبل أن تكون أداة تقنية.

وفي جيبوتي عام 1949، كانت الثقة غائبة فلم يعد الفرنك يخترق الشبكات التجارية العابرة للحدود؛ وكانت التجارة الإثيوبية تمر عبر الميناء ولكن بالفعل يتم تسويتها بالجنيه الإسترليني أو بالدولار الإثيوبي ؛ وظلت جيبوتي تواجه منافسة شديدة من عدن.

المأزق المؤسسي لمشروع «الإقليم الحر» أمام هذا المأزق طُرحت فرضية تحويل جيبوتي إلى «إقليم حر» نفسها تدريجياً في المناقشات الإدارية.

 وتبلور هذا التوجه في إطار من التبادلات المؤسسية التي ضمت العديد من المسؤولين والإدارات؛

وشمل ذلك بشكل خاص حاكم الساحل الفرنسي للصومال، السيد سيرييكس، وسفير فرنسا في إثيوبيا، السيد بليسون، والمرحوم سعيد علي كوبيش، بالإضافة إلى الصندوق المركزي لفرنسا ما وراء البحار، ووزارتي الشؤون الخارجية وفرنسا ما وراء البحار، ووزارة المالية.

سبعة عشر شهراً من التحقيق السري من هنا- تحديداً- تحولت الاصلاحات من السجل الإداري إلى السجل الاستراتيجي، حيث دُرست عدة سيناريوهات بين عامي 1946 و1948 في سرية تامة أي ما لا يقل عن سبعة عشر شهراً من العمل السري في مديرية المالية الخارجية (Finex) التابعة لوزارة المالية، تحت قيادة غيوم غيندي.

وقد دُرِس خيار معيار الذهب، المستوحى من النموذج السعودي، ثم جرى التخلي عنه لأسباب لوجيسيتة وأخرى تتعلق بالأمن النقدي (بموجب قانون غريشام ، سيخرج الذهب من الخزائن ولن يعود إليها).

أما خيار الفضة المعدنية، الذي حظي بدعم بنك الهند الصينية، فبدا جذاباً بسبب ارتباطه الإقليمي من خلال التالر، لكنه واجه عائقين:

 1-عدم استقرار سوق الفضة،

 2- احتمال الرفض الإثيوبي. كما أن خيار فرنك جيبوتي مضمون من قِبل خزانة المتروبول وقابل للتحويل جزئياً إلى الجنيه الإسترليني إذ كان يعيد ، على المدى الطويل، إنتاج هشاشة الفرنك نفسها.أما خيار الإسترليني الذي نوقش مطولاً فقد رُفِض لثلاثة أسباب متوافقة: أنه سيُخضع السيادة الفرنسية لعملة هي نفسها في حالة تراجع (كما أظهرت كاثرين شينك في أبحاثها حول الجنيه الإسترليني، فإن هذا التراجع كان متفاوضاً عليه أكثر مما كان مفروضاً)؛

كما أنه سيُخضع الساحل الفرنسي للصومال لرقابة الصرف البريطانية؛ وأنه أيضاً سيعني فقداناً غير مقبول للمكانة، أولاً لفرنسا في مواجهة إنجلترا، ثم على المستوى الإقليمي لجيبوتي في مواجهة إثيوبيا واليمن، وهما دولتان في الجوار ظلتا مستقلتين سياسياً.

الدولار، خيار افتراضي بقدر ما هو خيار مدروس ولم يتبق سوى خيار الدولار، والذي فرض نفسه كخيار افتراضي بقدر ما هو مدروس.

 فالدولار، القابل للتحويل بحرية، لا يخضع لأي رقابة على الصرف، وأصبح ركيزة نظام «بريتون وودز» الجديد.

 وفوق كل شيء، فقد وفر حرية استخدام واستقرار لم يكن بمقدور الإمبراطورية الفرنسية ولا الإمبراطورية البريطانية ضمانهما.

وقد قضى المرسوم رقم 49-376 الصادر في 17 مارس 1949 بإنشاء «فرنك جيبوتي»، باعتباره العملة الوحيدة ذات القيمة القانونية في الإقليم، والمحددة بوزن من الذهب والقابلة للتحويل حصرياً إلى الدولار.

 والآلية المعتمدة مستعارة من عدة أنظمة دون أن تطابق أيّاً منها: فهي لا تشكل دولرة كاملة ولا مجرد ربط ثابت، بل هي معيار تبادل الذهب المدعوم بالدولار مرن في معايير تحديده، ولكنه صارم في التزامات التحويل الخاصة به. يتبع.....