الذاكرة ليست مجرد التفاتةٍ نحو الماضي، بل هي الركيزة التي يقف عليها المستقبل. وفي عالمٍ تتسارع خطاه نحو الرقمنة، لا تبحث جمهورية جيبوتي من خلال صون أرشيفها الوطني عن حفظ الأوراق والوثائق الإدارية فحسب، بل عن تثبيت دعائم سيادتها وحماية سرديتها الوطنية.

فكيف تحول الأرشيف في جيبوتي من مجرد صناديق مغلقة إلى استثمار استراتيجي حيّ يدمج بين الهوية التاريخية وتقنيات الذكاء الاصطناعي؟ كماخطت جيبوتي خطوة استثنائية تجاوزت الأبعاد الإدارية التقليدية لتلامس عمق السيادة والمسؤولية الوطنية، وذلك بانضمام الدفعة السادسة من محفوظات رئاسة الجمهورية إلى الأرشيف الوطني. إن هذا التوجه يترجم رؤية الدولة في تحويل تراثها الوثائقي إلى ذاكرة حيّة محصنة بالرقمنة والابتكار، إدراكاً منها بأن الأمة التي تصون تاريخها هي الأمة الأقدر على قيادة مستقبلها.

خطوة تتجاوز مجرّد نقل صناديق الأرشيف في 30 يونيو 2026، انضمّت دفعة سادسة من المحفوظات النهائية لرئاسة الجمهورية إلى الأرشيف الوطني. وقد تبدو، على الورق، عمليةً إداريةً عاديةً كسائر العمليات. غير أنّ هذا الإجراء الذي يبدو هامشيًا يمثّل في الواقع ما هو أبعد من ذلك بكثير: إنّه فعل مسؤولية وفعل سيادة.

إنّ أمّةً لا تصون محفوظاتها هي أمّة تفقد تدريجيًا أثر ذاتها. فالقرارات السياسية والاتفاقيات الدبلوماسية والأعمال الإدارية والمراسلات الرسمية تشكّل الهيكل الذي تقوم عليه الذاكرة الجماعية لإدارةٍ ولشعب.

فبدون هذه الوثائق، تتلاشى الاستمرارية المؤسسية، ويغيب الدليل القانوني الذي يحتج به عبر الزمن، وتفقد السردية الوطنية موثوقيتها التي تُفهم وتنقل عبر الأجيال. الأرشيف بوصفه تراثًا، لا مجرّد أوراق إدارية علينا القطع مع النظرة التبسيطية التي ننظر بها إلى المحفوظات، والتي طالما اختُزلت في أداة ترتيب إداري.

فالمحفوظات تشكّل تراثًا شأنها شأن أيّ معلم أو موقع تاريخي أو تقليد شفوي. إنّها تروي التحوّلات السياسية والدبلوماسية والاجتماعية لبلدنا، وهي الدليل الملموس على أنّ دولةً وُجدت وعملت وقرّرت، وستتيح غدًا للمؤرخين والباحثين والمواطنين وللأجيال القادمة فهم المسار المقطوع وكيف بُنيت الأمّة الجيبوتية. ومع 1245 صندوق محفوظات نهائية جرى إيداعها بالفعل، وأكثر من 80.000 ملف رقمي مؤمَّن منذ عام 2023، يكون عملٌ جوهريّ قد انطلق.

غير أنّ هذا الرقم ليس غايةً في ذاته: بل هو الركيزة التي تقوم عليها السياسة الوطنية للذاكرة، مصمَّمة على المدى الطويل. واليوم، ترسّخ هذا النهج، وباتت إداراتٌ متزايدة تودع دوريًا محفوظاتها المفروزة والمهيّأة والمرقمنة لدى الأرشيف الوطني.

الرقمنة والذكاء الاصطناعي: فرصة تاريخية شريطة توفّر محفوظات مرقمنة هنا بالذات يتحدّد مستقبل مغاير كليًا لتدبير الوثائق. فالرقمنة لا ينبغي أن يُنظر إليها كخيار تقني بسيط فحسب، بل غدت اليوم ضرورةً استراتيجية. فالوثيقة المرقمنة وثيقةٌ متاحةٌ ومفهرسةٌ ومحميّةٌ من التلف المادي ومن المناخ ومن الحريق ومن النسيان.

بيد أنّ التحوّل الرقمي لم يعد يقف عند حدود الرقمنة. فالذكاء الاصطناعي يفتح اليوم آفاقًا غير مسبوقة أمام مصالح المحفوظات، من خلال: (1) الفهرسة الآلية لآلاف الوثائق، بما يتيح استرجاع معلومة في غضون ثوانٍ كانت تستلزم ساعات من البحث اليدوي؛ (2) التعرّف الضوئي المتقدّم على الحروف (OCR)، لجعل الوثائق المخطوطة أو القديمة، الهشّة أحيانًا أو السيئة الحالة، قابلةً للاستثمار الكامل؛ (3) التصنيف والتبويب الذكي للأرصدة الوثائقية، بما يسهّل عمل الأرشيفيين والباحثين؛ (4) كشف الشذوذ والتزوير، بما يعزّز سلامة الوثائق العمومية وقابلية تتبّعها؛ (5) التثمين والوساطة الثقافية، عبر واجهات ذكية قادرة على إتاحة المحفوظات لعامة الجمهور والمدارس والباحثين، دون المساس بأمنها.

إنّ ربط الذكاء الاصطناعي منذ اليوم بسياستنا في مجال المحفوظات، على غرار ما هو جارٍ مع تطبيق eJO، سيتيح إرساء دعائم إدارةٍ متّجهةٍ بحزم نحو المستقبل، مع صون تراثها وماضيها في الآن ذاته. دعائم سياسة وطنية للذاكرة إنّ العمل الذي أنجزته إدارة التوثيق والمحفوظات برئاسة الجمهورية، بدعم تقني من الوكالة الوطنية لنظم معلومات الدولة (ANSIE)، وبالتعاون مع وزارة الشباب والثقافة، يرسم الطريق ويثبت أنّ قيام نموذجٍ في هذا المجال أمرٌ ممكن. غير أنّ هذا النموذج، لكي يتجسد واقعاً ملموسًا، لا يمكن - بل لا يجوز- أن يظلّ محصورًا في مؤسسات معدودة. فهو يتوسّع من الآن ويُعمَّم تدريجيًا ليشمل مجموع الوزارات والمؤسسات العمومية. وتتيح هذه الدينامية تكوين جيل جديد من الأرشيفيين والمختصين في تدبير المعلومة الرقمية.

 كما أنّها ثمرة استثمار كبير في بنى تحتية مادية للحفظ، من قبيل مبنى الأرشيف الوطني (لا توجد في أفريقيا سوى بنيتين مماثلتين، في جيبوتي وغانا)، وكذلك في بنى تحتية رقمية مستدامة ومؤمَّنة وقادرة على الصمود أمام التهديدات السيبرانية. وقد أتاحت، بفضل رؤية فخامة رئيس الجمهورية إسماعيل عمر جيله، إدراج السياسة الأرشيفية ضمن رؤيةٍ للسيادة الرقمية الوطنية.

التاريخ لا يغفر النسيان إنّ الأمم التي استطاعت، ولا تزال تستطيع، صون ذاكرتها الوثائقية هي ذاتها الأمم التي صمدت على نحوٍ أفضل أمام الأزمات والمنازعات التاريخية ومحاولات إعادة كتابة التاريخ. وفي المقابل، فإنّ البلدان التي أهملت محفوظاتها كثيرًا ما فقدت معها فصولًا كاملة من تاريخها القانوني والدبلوماسي والثقافي. إنّ هذا الإيداع السادس، المنجز في 30 يونيو 2026، سيليه إيداعٌ سابع في 25 ديسمبر 2026؛ فهو إذاً لا يمثل غايةً بحد ذاته، وإنما مرحلةً ومسارًا ضمن ورشٍ أوسع: ورش السياسة الوطنية للذاكرة، وورش الصرامة الأرشيفية، وورش الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي، في خدمة هدفٍ بسيطٍ لكنّه جوهري: ألّا يضيع أبدًا أيّ شيء ممّا عاشته أمّتنا وقرّرته وبنته.