في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة ومتطلبات سوق العمل المتجددة، يبرز التعليم الفني والتكوين المهني باعتباره أحد الركائز الأساسية لبناء اقتصاد منتج قائم على المهارات والكفاءات، وأحد المسارات الفاعلة لتمكين الشباب من اكتساب قدرات عملية تفتح أمامهم آفاق الاستقلال المهني والاقتصادي. وتولي وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني في جمهورية جيبوتي أهمية متزايدة لهذا القطاع الحيوي، إدراكًا منها لدوره المحوري في إعداد جيل من الشباب المؤهلين، وتعزيز فرص الاندماج في سوق العمل، بما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تمثل الثانوية الصناعية التابعة لمجمع الرحمة التنموي نموذجًا بارزًا في مجال التكوين المهني، من خلال منظومة تعليمية متكاملة تجمع بين المعارف النظرية والتطبيقات العملية، وتهدف إلى إعداد كوادر مهنية قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل المحلي. مسيرة تكوين وبناء للقدرات الوطنية منذ افتتاحها عام 2007، تمكنت الثانوية الصناعية بمجمع الرحمة من تخريج أعداد كبيرة من الشباب والشابات الذين استطاع العديد منهم الاندماج في سوق العمل، سواء عبر الالتحاق بالمؤسسات العامة والخاصة أو من خلال إنشاء مشاريعهم المهنية الخاصة، بما انعكس إيجابًا على ظروفهم المعيشية ومسارهم الاقتصادي.
وأكد المدير التعليمي بمجمع الرحمة التنموي، الدكتور/ عبد الله فتوح، أن المجمع، الذي يواصل رسالته التعليمية منذ ما يقارب عشرين عامًا، أصبح من المؤسسات التي أسهمت في إعداد العديد من الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات المهنية التي تشرف عليها جمعية الرحمة العالمية - مكتب جيبوتي.
وأوضح أن المجمع، منذ تدشينه من قبل رئيس الجمهورية السيد إسماعيل عمر جيله عام 2007، تمكن من تخريج نحو 800 طالب وطالبة من الثانوية الصناعية بنظام الثلاث سنوات، إلى جانب حوالي 3000 مستفيد من برامج التكوين المكثف التي تمتد لعام واحد، وهو ما يعكس حجم الإسهام الذي قدمته المؤسسة في تعزيز مسار التأهيل الفني والمهني للشباب.
وأشار الدكتور/ عبد الله فتوح إلى أن نحو 40 طالبًا استفادوا من منح دراسية لمواصلة تعليمهم الجامعي في عدد من التخصصات، من بينها الهندسة، في كل من السودان ومصر وتركيا، بفضل الدعم الذي قدمته جمعية الرحمة غير الحكومية – مكتب جيبوتي.
وأضاف أن هؤلاء الخريجين، بعد استكمال مسيرتهم الأكاديمية، عادوا إلى البلاد والتحقوا بمؤسسات القطاعين العام والخاص، فيما تمكن آخرون من تأسيس مشاريع خاصة مدرة للدخل. ورش تطبيقية لتأهيل مهني يستجيب للسوق تضم الثانوية الصناعية عددًا من الورش المهنية المتخصصة التي توفر للطلاب والطالبات تدريبًا عمليًا مباشرًا في مجالات متعددة، من بينها الألومنيوم، والتبريد والتكييف، والحدادة، والنجارة، وميكانيكا السيارات، إضافة إلى قسم الخياطة الذي يحظى باهتمام خاص، لاسيما في إطار دعم مشاركة المرأة وتمكينها اقتصاديًا.
وتعتمد المؤسسة على منهج يقوم على الدمج بين الجانب النظري والتطبيقي، حيث يكتسب المتدربون داخل الورش خبرات ميدانية حقيقية تساعدهم على امتلاك مهارات مهنية تؤهلهم للانخراط الفاعل في سوق العمل.
وفي هذا السياق، أوضح نائب مدير التعليم الثانوي بالمجمع، السيد/ عامر، أن التكوين الفني يتم تنظيمه وفق مسارين رئيسيين؛ يتمثل الأول في التعليم النظامي الذي تمتد دراسته ثلاث سنوات، فيما يخصص المسار الثاني للتكوين المكثف لمدة سنة واحدة، وهو موجه للطلاب غادروا المقاعد الدراسية.
وأكد أن هذا المرفق التعليمي مجهز بتقنيات حديثة وبنية تحتية متطورة تتيح تقديم تكوين مهني ذي جودة عالية، بإشراف طاقم تربوي يمتلك خبرة واسعة وكفاءة متخصصة في مختلف المجالات المهنية.
شراكة تنموية لدعم التعليم وتمكين الشباب وفي سياق مواصلة جهوده في مجال التدريب والتأهيل، يعمل مجمع الرحمة التنموي على توسيع برامج التكوين وتعزيز شراكاته مع مختلف المؤسسات الرسمية والمجتمعية، بهدف ضمان توافق التخصصات المهنية مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
في هذا السياق، أكد مدير المكتب الإقليمي للرحمة العالمية في جيبوتي، أن النجاحات التي حققتها الثانوية الصناعية جاءت ثمرة تعاون وثيق مع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، إلى جانب الدعم المتواصل الذي يحظى به المجمع من القيادة الجيبوتية،ممثلة برئيس الجمهورية، السيد/ إسماعيل عمر جيله، الأمر الذي انعكس إيجابا على الجهود الرامية إلى تطوير البرامج التعليمية والتدريبية.
وأوضح السيد/ عبد الغني القرشي، أن التعليم الفني والتكوين المهني يمثل رافعة أساسية للتقدم والتنمية، لما يضطلع به من دور محوري في تمكين الشباب من اكتساب المهارات اللازمة، وخلق فرص عمل مستدامة ولائقة. وأضاف قائلا «إن جمعية الرحمة العالمية –دولة الكويت- التزمت منذ انطلاق عملها في جيبوتي- بأن تكون شريكًا فاعلًا للحكومة الجيبوتية في دعم مسيرة التنمية المستدامة، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية».
وأشار إلى أن مجمع الرحمة أقام على امتداد مسيرته العديد من الشراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية، أسهمت في تكوين وتأهيل آلاف الشباب الجيبوتيين، وتعزيز بناء القدرات والكفاءات الوطنية.
كما أعرب عن تقديره لدولة الكويت الشقيقة، وللمتبرعين، ولسفارة دولة الكويت لدى جمهورية جيبوتي، على دعمهم المتواصل لأنشطة مكتب الرحمة ومبادراته الهادفة إلى خدمة المجتمع.
وجدد السيد/ عبد الغني القرشي الشكر والامتنان لرئيس الجمهورية السيد/ إسماعيل عمر جيله، لما يوليه من دعم للمؤسسات الإنسانية والتنموية، وللحكومة الجيبوتية، ولاسيما وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، على مواكبتها وإشرافها على هذا المشروع التعليمي والاجتماعي. التكوين المهني..
رهان استراتيجي لمستقبل التنمية تعكس تجربة الثانوية الصناعية بمجمع الرحمة التنموي حجم الاهتمام المتزايد الذي يتمتع به التعليم الفني والتكوين المهني في جمهورية جيبوتي، باعتباره خيارًا استراتيجيًا لمواجهة البطالة، وتعزيز الإنتاجية، وتوفير كوادر وطنية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية ومتطلبات التنمية.
وفي ظل التوجهات الحالية التي تقودها وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، تبدو آفاق هذا القطاع واعدة أكثر من أي وقت مضى، مع تزايد الحاجة إلى الأيدي العاملة المؤهلة في مختلف المجالات، بما يجعل من التكوين المهني أحد أهم المسارات لبناء مستقبل أكثر استدامة للشباب الجيبوتي.