تلبيةً لدعوة من رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، قام وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف، السيد/ مؤمن حسن بري، بزيارة رسمية إلى جمهورية تركيا على رأس وفد رفيع، أجرى خلالها سلسلة من اللقاءات في العاصمة أنقرة، بهدف تعزيز التعاون الثنائي في مجالي الشؤون الإسلامية وتنمية وإدارة الأوقاف.

 وضم الوفد المرافق للوزير مؤمن حسن بري، كلاً من الأمين العام للوزارة، السيد/ شعيب عقال الصغير، والمدير العام للأوقاف، السيد/ علمي نور جامع، والمدير العام لمعهد الوسطية وثقافة السلام، السيد/ ألسلي أحمد عبدَ الله، إلى جانب القائم بالأعمال بسفارة جمهورية جيبوتي لدى أنقرة.

وفي مستهل الزيارة، التقى وزير الشئون الإسلامية والأوقاف، بكبار مسؤولي رئاسة الشؤون الدينية التركية، وفي مقدمتهم نائب رئيس الهيئة، السيد/ فاتح محمد كراجه، والمدير العام للعلاقات الخارجية، السيد/ أنصاري ينتورك، وفي كلمة له خلال هذا اللقاء، أشاد الوزير بمتانة علاقات الأخوة والتعاون التي تجمع جمهورية جيبوتي وجمهورية تركيا، والتي تشهد تطورًا متواصلًا بفضل الرعاية التي يوليها قائدا البلدين، رئيس الجمهورية السيد/ إسماعيل عمر جيله، والرئيس التركي السيد/ رجب طيب أردوغان.

 وأكد الوزير مؤمن حسن بري حرص دائرته الوزارية على توسيع آفاق التعاون مع الجانب التركي، والاستفادة من خبرته في تطوير وإدارة واستثمار الأوقاف وصيانة المنشآت الدينية، بما يعزز دور الوقف في خدمة التنمية المستدامة.

 كما لم يفوت الفرصة لإبراز أهمية الدبلوماسية الدينية في تعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ الحوار بين المؤسسات، وتوطيد العلاقات الثنائية، مشددًا مع الجانب التركي على ضرورة نشر قيم السلام والاعتدال والإخاء والتسامح والتضامن والاحترام المتبادل.

 وأولى الجانبان في مناقشاتهما اهتمامًا خاصًا بجامع السلطان عبد الحميد الثاني الكبير في جيبوتي، باعتباره أحد أبرز رموز الصداقة والتعاون بين البلدين، فيما دعا الوزير إلى رفع سقف التعاون المشترك لضمان صيانة هذا الصرح الديني، والحفاظ على قيمته المعمارية والدينية والرمزية.

من جانبه، أبدى الجانب التركي ارتياحه بمستوى العلاقات القائمة بين المؤسستين، مؤكدًا أهمية مواصلة التشاور وتبادل الخبرات في مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في ترسيخ التعاون الديني بين البلدين.

كما أكدت المباحثات أيضا علي اهمية الإرادة المشتركة لتعزيز الشراكة المؤسسية بين وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف ورئاسة الشؤون الدينية التركية، والعمل على ترسيخ نهج الإسلام الوسطي القائم على السلام والإخاء والتضامن.

وفي إطار برنامج الزيارة، اطَّلع الوفد الجيبوتي علي التجربة التركية الرائدة في إدارة الأوقاف، بوصفها نموذجًا يجمع بين الأصالة والحداثة ويخدم الصالح العام، وذلك خلال لقاء مثمر عقده مع المدير العام للأوقاف في البلاد.

وأتاحت هذه الزيارة للوزير بري والوفد المرافق له، الوقوف عن كثب على الدور التاريخي والحضاري الذي اضطلع به نظام الوقف في ازدهار الحضارة الإسلامية، وإسهامه، على مر العصور، في دعم التكافل الاجتماعي، والتعليم، والتنمية، وصون التراث.

كما استعرض الجانبان مختلف الجوانب التنظيمية والقانونية والاقتصادية والدينية لمنظومة الأوقاف، فيما قدم المسؤولون الأتراك عرضًا حول أنشطة المديرية العامة للأوقاف وآليات إدارة الأوقاف واستثمارها وصيانتها.

وفتحت هذه الزيارة آفاقًا واعدة لإقامة مشاريع تعاون مستقبلية تهدف إلى نشر ثقافة الوقف في جيبوتي، وتعزيز القدرات المؤسسية، وتبادل الخبرات بين البلدين.

وفي محطة أخرى من الزيارة، توجه الوفد الجيبوتي إلى مقر مؤسسة «ديانت» التركية في أنقرة، وهي مؤسسة أُنشئت عام 1975 لدعم أنشطة رئاسة الشؤون الدينية، وأصبحت اليوم إحدى أبرز المؤسسات التركية العاملة في مجالات العمل الإنساني والتعليم والثقافة والتنمية الاجتماعية والتعاون الدولي.

وتستند المؤسسة في رسالتها إلى مبدأ «خير الناس أنفعهم للناس»، مستلهمةً بذلك قيم الوقف الإسلامي، الذي يقوم على تسخير الأموال والموارد والكفاءات لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة.

وخلال الزيارة، اطلع الوفد الجيبوتي على اتساع نطاق أنشطة المؤسسة داخل تركيا وخارجها، إذ تمتلك شبكة تضم أكثر من ألف فرع، تنفذ من خلالها برامج في مجالات التعليم والثقافة والإغاثة الإنسانية والعمل الاجتماعي والتكوين الديني. 

اللقاءات أتاحت أيضا للجانب الجيبوتي، التعرف على النموذج المؤسسي والمالي والتشغيلي للمؤسسة، والاستفادة من تجربتها في إدارة الأعمال الخيرية واستثمار الأوقاف لخدمة التنمية البشرية.

وأكد الوزير مؤمن حسن بري، على اهتمام جمهورية جيبوتي بالاستفادة من هذه الخبرات، ولاسيما في مجالات تنمية الأوقاف، وتأهيل الكوادر الوطنية، ودعم المشاريع الاجتماعية والدينية والتعليمية.

واتفق الجانبان على مواصلة المشاورات لتحديد مجالات التعاون ذات الأولوية، ووضع الآليات الكفيلة بتحويل هذه الإرادة المشتركة إلى مشاريع عملية تخدم مصالح البلدين، بما يجعل هذه الزيارة محطة مهمة في مسار تعزيز الشراكة بين وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف ومؤسسة ديانت التركية، انطلاقًا من القيم المشتركة القائمة على التضامن والإخاء وخدمة الإنسان.

على صعيد آخر، قام وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف، السيد/ مؤمن حسن بري، والوفد المرافق له، بزيارة إلى مكتبة الأمة المرموقة، الواقعة داخل المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة. واطلع الوفد الجيبوتي، خلال الزيارة، على عرض مؤسسي قدم مختلف جوانب هذه المؤسسة الثقافية الكبرى، التي تُصنف كأكبر مكتبة في تاريخ تركيا، من حيث المساحة والطاقة الاستيعابية وحجم المجموعات العلمية التي تحتضنها.

ويجسد هذا الصرح الثقافي والمعماري الضخم مكانة التراث العلمي والفكري والحضاري في تركيا المعاصرة، إذ تُعد مكتبة الأمة التركية واحدة من أبرز المنارات الثقافية في البلاد، بما تعكسه من اهتمام بالمعرفة والبحث العلمي وحفظ الإنتاج الفكري.

كما توفر هذه المكتبة التي تمتد على مساحة مغلقة تبلغ 125 ألف متر مربع، فضاءات تستوعب نحو 5 آلاف قارئ في الوقت نفسه، كما تضم أكثر من 4 ملايين كتاب مطبوع بـ134 لغة، إلى جانب منظومة رقمية متطورة تتيح الوصول إلى أكثر من 120 مليون إصدار إلكتروني.

 وعقب ذلك، قام الوزير والوفد المرافق له بجولة داخل القاعة المركزية الشهيرة للمكتبة، المعروفة باسم «مرآة العالم»، والتي تتميز بتصميمها المعماري الفريد، حيث تتزين بـ16 عمودًا ترمز إلى الإمبراطوريات التركية الكبرى عبر التاريخ، وتتوسطها قبة مزخرفة بالخط العربي تعكس جمال الفن الإسلامي.

 وبهذه المناسبة، أعرب مسئولو المكتبة عن تطلعهم إلى إدراج جناح خاص بجمهورية جيبوتي ضمن الأجنحة الدولية للمكتبة، بما يتيح التعريف بالتراث الوطني الجيبوتي وإثراء المجموعات العالمية للمؤسسة بأعمال ووثائق تعكس التاريخ والثقافة والهوية الوطنية للبلاد.

 ومن جانبه، أكد وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف، السيد مؤمن حسن بري، استعداده لتقديم مجموعة من الكتب والمراجع والوثائق الرسمية التي توثق تاريخ جمهورية جيبوتي وتراثها الثقافي والديني، بهدف عرضها ضمن هذه المؤسسة العلمية والثقافية العريقة.

واختُتمت الزيارة الرسمية إلى أنقرة بالتأكيد على الإرادة المشتركة لتعزيز تعاون استراتيجي ومستدام، يقوم على الثقة المتبادلة، وتبادل الخبرات، وتطوير منظومة الأوقاف بما يخدم التنمية البشرية، ويسهم في ترسيخ قيم السلام والتعايش.