تحظى رعاية الأيتام وكفالتهم في جيبوتي بمكانة خاصة، باعتبارها مسؤولية دينية وإنسانية تتجاوز تقديم المساعدة المادية العابرة، لتشمل حماية الطفولة، وصون الكرامة، وتوفير مقومات الحياة الكريمة، بما يتيح للطفل أن ينشأ في بيئة آمنة، ويحصل على التعليم والرعاية الصحية، ويكتسب الثقة والقدرات اللازمة لبناء مستقبله.

وتجسدت هذه القيم المتجذرة في مجتمعنا من خلال جهود مؤسسية ومجتمعية متواصلة، مهدت الطريق لتطوير منظومة متكاملة لرعاية الأيتام، تجمع بين الدعم المالي والرعاية التعليمية والصحية والاجتماعية، وتستهدف تمكين هذه الفئة من الاندماج في المجتمع والمساهمة في مسيرة التنمية الوطنية.

من التكافل إلى العمل المؤسسي رعاية اليتيم في المنظور الإسلامي تنطلق من مبادئ الرحمة والإحسان وحفظ الكرامة، وهي قيم أكد عليها الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الشريف: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، مشيرًا بالسبابة والوسطى، في دلالة على المكانة الرفيعة لكفالة اليتيم وما تمثله من عمل من أعمال البر ومسؤولية اجتماعية وإنسانية.

 وفي جيبوتي برزت -في هذا الإطار- جهود رسمية لتحويل هذه المبادئ إلى برامج عملية، يأتي في صدارتها مشروع كفالة الأيتام التابع لديوان الزكاة، الذي انطلق عام 2007 بمبادرة من رئيس الجمهورية، السيد/ إسماعيل عمر جيله، بالتزامن مع الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.

ويحظى المشروع بمتابعة دءوبة ورعاية مستمرة من وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف، السيد/ مؤمن حسن بري، الذي يشرف شخصيا على عمليات توزيع الكفالة، على الأيتام المسجلين لدى ديوان الزكاة، الذين يتلقون دعما ماليا يُصرف لهم مرة كل ثلاثة أشهر، بهدف تلبية احتياجاتهم الأساسية وتعزيز استقرارهم المعيشي.

ولا تقتصر جهود رعاية الأيتام على المؤسسات الرسمية، إذ تشارك فيها مؤسسات وجمعيات وطنية ودولية تنشط في المجال الاجتماعي والإنساني، بما يعكس اتساع دائرة التضامن المجتمعي تجاه هذه الفئة.

رعاية شاملة تتجاوز الدعم المالي ومن أهم الهيئات المنخرطة في هذا المجال لجنة إفريقيا للإغاثة، ممثل الرحمة العالمية في جيبوتي، التي تتولى حاليًا كفالة نحو 3000 يتيم وأسرة، من بينهم نحو 500 يتيم يستفيدون من برنامج الرعاية الشاملة في مجمَّعي الرحمة بمدينة جيبوتي وإقليم أبخ شمال البلاد.

هذه الرعاية تشمل جوانب متعددة، من بينها التعليم والإعاشة والرعاية الصحية والتنمية الاجتماعية، إلى جانب متابعة المسار الدراسي وبناء القدرات وتعزيز الثقة بالنفس.

 وفي هذا السياق، أوضح مسئول مشروع الكفالة الشاملة في مجمع الرحمة ، السيد/ موسى فاهيه، أن المؤسسة تقدم للأيتام رعاية متكاملة تشمل التعليم والإعاشة والتنمية الاجتماعية والصحية، مشيرًا إلى أن مستشفى الرحمة يوفر العلاج للأطفال المستفيدين من البرنامج.

وأكد أن الهدف الأساسي للمشروع يتمثل في تكوين الأيتام وتنشئتهم تنشئة سليمة، لافتًا إلى أن البرنامج حقق نتائج ملموسة، تمثلت في تخرج العديد من الأيتام من الجامعات، والتحاقهم بمهن مختلفة، من بينها الطب والهندسة والتدريس، إلى جانب الخدمة في مؤسسات الجيش والشرطة وغيرها.

 وأشار السيد/ فاهيه إلى أن هذه النتائج تحققت بفضل الدعم الذي تقدمه جمعية الرحمة العالمية –دولة الكويت- فضلًا عن الدعم الذي يحظى به المجمَّع من الحكومة الجيبوتية بقيادة رئيس الجمهورية، السيد إسماعيل عمر جيله، بما في ذلك الإعفاء من تكاليف الكهرباء والمياه والاستجابة للاحتياجات المرتبطة بسير هذا العمل الخيري.

 التعليم بوابة التمكين والاستقلال فلسفة كفالة الأيتام لا تنحصر في توفير الاحتياجات اليومية، وإنما تتجه بصورة متزايدة نحو بناء الإنسان وتأهيله للاعتماد على الذات والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

وفي هذا السياق، أوضح مراقب المشروعات بمكتب لجنة أفريقيا للإغاثة، السيد/ خالد أبو هرج، أن المكتب يكفل نحو 3000 يتيم وأسرة، 500 يتيم منهم يحصلون على الرعاية الشاملة التي تطال الجوانب التعليمية والمعيشية والصحية، إضافة إلى برامج تستهدف بناء الشخصية والقدرات وتعزيز الثقة بالنفس.

وفيما يتعلق بالكفالة الجزئية فأشار إلى أنها تقوم على تقديم دعم مالي منتظم للأيتام والأسر مرة كل ثلاثة أشهر، موضحًا أن تمويل برامج الكفالة يأتي من عدد من الجهات، في مقدمتها جمعية الرحمة العالمية بدولة الكويت، وبيت الزكاة الكويتي، إلى جانب جمعية كاف الإنسانية، وجمعية الرحمة النمساوية.

وبحسب السيد/ خالد أبو هرج، تمتد تجربة الكفالة الجزئية منذ نحو 25 عامًا، فيما بدأت مرحلة الكفالة الشاملة عام 2007 مع تدشين مجمع الرحمة من قبل رئيس الجمهورية.

 من جهته، أكد المدير الإقليمي لمكتب لجنة أفريقيا للإغاثة، ممثل جمعية الرحمة العالمية في جيبوتي، السيد/ عبد الغني إسماعيل القرشي، أن رسالة الجمعية تقوم على بناء اليتيم من خلال التعليم والتربية، والمساهمة في تحسين ظروف حياته، ودعم المبادرات الصحية والتنموية الموجهة إلى الأيتام.

 وأوضح أن الجمعية أنشأت مجمعات لرعاية الأيتام في مدينة جيبوتي وإقليم أبخ، تضطلع بدور محوري في تكوين الأطفال وتأهيلهم، من خلال التعليم العام والتدريب المهني والصناعي، بما يساعدهم على اكتساب المهارات اللازمة للانخراط في سوق العمل وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية، أو الالتحاق بالمؤسسات العامة والخاصة.

وتعليقًا على منجزات هذه المجمعات، التي مضى على إنشائها ما يقرب من عقدين، ومخرجاتها التعليمية، أشار السيد/ عبد الغني القرشي إلى انخراط أعداد كبيرة من خريجيها في سوق العمل، ولا سيما بعد استكمالهم مسارهم التعليمي بنجاح في مرحلة الثانوية الصناعية، سواء من خلال التعليم النظامي الذي يمتد لثلاث سنوات، أو عبر برنامج التدريب المكثف الذي يستمر عامًا واحدًا.

وأضاف قائلًا: «إن الأيتام في جيبوتي يحظون باهتمام كبير من الحكومة، بقيادة رئيس الجمهورية، السيد/ إسماعيل عمر جيله، الذي يولي هذه الفئة عناية خاصة.

وفي هذا الإطار، أنشأت الدولة ديوان الزكاة التابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، الذي يُعنى برعاية الأيتام، فضلًا عن دعم المنظمات والهيئات المحلية وغير الحكومية التي تضطلع برعايتهم.

ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أغتنم الفرصة لأتوجه بخالص الشكر وعظيم التقدير إلى حكومة دولة الكويت، وسفارة دولة الكويت في جيبوتي، وإلى جميع المتبرعين الذين يجودون بأموالهم عن طيب خاطر لتمويل هذا المشروع الخيري، والمساهمة في توفير الرعاية والدعم للأيتام».

شراكة مجتمعية تستثمر في المستقبل وتؤكد التجربة الوطنية أن رعاية الأيتام أصبحت مسارًا تشاركيًا يجمع بين الجهود الحكومية والمؤسسات الخيرية والداعمين، في إطار رؤية تضع مصلحة الطفل في صدارة الأولويات.

وفي المحصلة، فإن كفالة اليتيم في جيبوتي تتجاوز مفهوم المساعدة المؤقتة لتصبح استثمارًا في الإنسان والمستقبل.

فحين تتكامل الرعاية المعيشية مع التعليم والصحة والتكوين وبناء القدرات، تتحول الكفالة إلى وسيلة لتمكين الطفل من تجاوز ظروفه، وبناء شخصية متوازنة وقادرة على الاعتماد على الذات.