تحت رعاية رئيس الجمهورية السيد/ إسماعيل عمر جيله، انطلقت يوم أمس الأربعاء في قصر الشعب أعمال المنتدى الوطني الأول للذكاء الاصطناعي الذي تنظمه الوزارة المكلفة بالاقتصاد الرقمي والابتكار بالتعاون مع الأمانة العامة للحكومة بتمويل من منظمة اليونسكو، وذلك تحت شعار «الابتكار والحوكمة».
وجرت وقائع إفتتاح المنتدى بحضور أعضاء الحكومة من بينهم الوزيرة المنتدبة المكلفة بالاقتصاد الرقمي والابتكار السيدة/ صفية محمد علي جادله، وكبار مسؤولي المؤسسات المعنية، بالإضافة إلى أعضاء السلك الدبلوماسي، والمنظمات الأممية العاملة في البلاد، والخبراء وممثلي الشركات، بالإضافة إلى أصحاب المشاريع والمواهب الرقمية، ومدعوين آخرين.
يهدف المنتدى إلى إطلاق حوار وطني شامل حول استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها على الاقتصاد الرقمي، ووضع أطر للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة مع مراعاة الأبعاد الأخلاقية والتنظيمية.
كما يناقش المنتدى على مدى يومين تقرير منظمة «اليونسكو» الخاص بمدى جاهزية جمهورية جيبوتي لإطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، واستخدامه كرافعة للتحول نحو الاقتصاد الرقمي. وترتكز المحاور الأساسية للمنتدى على مناقشة الحوكمة والأمن السيبراني وكيفية حماية البيانات الوطنية وبناء سيادة رقمية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي والابتكار من خلال دعم الشركات الناشئة وتعزيز حلول الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاستراتيجية والخدمات اللوجستية بالموانئ، بالإضافة إلى إيجاد آلية خدمية لدمج اللغات الوطنية بالذكاء الاصطناعي، والعمل على تطوير الإدارة العامة وتسهيل المعاملات.
وفي كلمة له في الجلسة الافتتاحية للمنتدى، أعرب رئيس الجمهورية عن قناعته بأن جيبوتي تعيش، إلى جانب العالم، مرحلة تاريخية جديدة تتمثل في ثورة الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن هذه الثورة تمثل رابع محطة كبرى في تسارع تاريخ البشرية، بعد اختراع الآلة البخارية، وكهربة المدن والمنازل، وظهور الإنترنت.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيطال مختلف قطاعات الاقتصاد والخدمات الإدارية والتعليم، على غرار الدور الذي أدته الكهرباء في المنازل والمصانع والمستشفيات، موضحاً أنه ليس مجرد تكنولوجيا أخرى، وإنما يمثل «بنية تحتية للعقل» وقوة تعيد تعريف ما تستطيع الدول والمؤسسات والأفراد إنتاجه.
وأوضح أن أياً من دول العالم، كبيرة كانت أم صغيرة، لن يكون بإمكانها خلال السنوات العشر المقبلة أن تتجنب اتخاذ موقف من هذه الثورة أو تحديد طبيعة علاقتها بها. ونوّه الرئيس جيله إلى أن صغر حجم جمهورية جيبوتي وعدد سكانها لا يشكلان عائقاً أمام مشاركتها في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل إن موقعها الاستراتيجي يجعل من الضروري أن تكون من أوائل الدول التي تغتنم هذه الفرصة، وليس من آخرها.
ولفت إلى أن جيبوتي استطاعت، على مر التاريخ، تحويل موقعها الجغرافي إلى عامل قوة، بدءاً من كونها ملتقى للقوافل والإمبراطوريات، وصولاً إلى دورها الحالي كنقطة عبور لجزء كبير من التجارة البحرية العالمية، مؤكداً أن البلاد يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى محور رقمي في شرق أفريقيا.
وأضاف أن ما نجحت جيبوتي في تحقيقه في مجال الكابلات البحرية والحاويات، يتعين عليها أن تكرره الآن في مجال البيانات والخوارزميات. وأكد رئيس الجمهورية أن «رؤية جيبوتي 2035» ترسم مسار دولة صاعدة ومنفتحة على العالم، تقوم على المعرفة والعلم، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس خياراً إضافياً يضاف إلى هذه الرؤية، بل يمثل أقوى محركات تسريعها.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي قادر على اختصار تحولات كانت تحتاج في السابق إلى ثلاثة عقود، لتتحقق خلال عقد واحد، لافتاً إلى قدرته على توفير الوقت أمام الشباب في الموانئ والمدارس والمستشفيات والإدارة، وهو الوقت الذي لم تكن أجيال سابقة محظوظة بالحصول عليه. الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية وشدد الرئيس جيله على أن جيبوتي تريد أن تكون ثورة الذكاء الاصطناعي ثورة ذات سيادة، محذراً من أن اعتماد ذكاء اصطناعي يتم تصميمه واستضافته وإدارته خارج البلاد لن يخدم مصالح جيبوتي، بل سيحوّلها إلى مجرد سوق لتكنولوجيات الآخرين.
وذكر أن الحكومة تستثمر في البنية التحتية الرقمية الوطنية، وفي تطوير الكفاءات والبيانات والقدرة الوطنية على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة بشأن كيفية تسخير هذه التكنولوجيا لخدمة الشعب.وأكد أن السيادة الرقمية ليست مجرد شعار، وإنما تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على حرية الاختيار خلال القرن المقبل.
تنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أيضاً وعداً اقتصادياً كبيراً لجيبوتي، إذ سيسهم في تنويع اقتصاد لا يزال شديد التركيز على الخدمات اللوجستية والموانئ، من خلال فتح مجالات جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
وأضاف أن هذه الثورة ستوفر وظائف جديدة في مجالات علوم البيانات والهندسة والأمن السيبراني وريادة الأعمال التكنولوجية، بما يخدم الشباب الجيبوتي الذي ينتظر من بلاده أن تمنحه الثقة والأدوات اللازمة لتحقيق طموحاته.
وأردف أن جيبوتي ستكون قادرة على جذب المستثمرين الباحثين عن بوابة موثوقة ومتصلة ومستقرة إلى شرق أفريقيا، فضلاً عن تعزيز قدرتها التنافسية على المستوى الإقليمي، في وقت تسعى فيه دول القرن الأفريقي والمنطقة الأوسع إلى إيجاد موقع لها في اقتصاد المعرفة الجديد.
ذكاء اصطناعي يقوم على العدالة والإدماج ولفت الرئيس جيله إلى أن قيمة الذكاء الاصطناعي ستتحدد بالقيم التي تحكم استخدامه، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي الذي يستفيد منه عدد محدود من الناس، أو يؤدي إلى تعميق الفجوة بين المدن والأرياف، أو بين الرجال والنساء، أو بين الناطقين بالفرنسية والناطقين بالصومالية والعفرية، لن يكون ذكاءً اصطناعياً يليق بجيبوتي.
وشدد على ضرورة أن يكون الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان والعدالة الاجتماعية، وأن يسهم في إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة والنساء وسكان المناطق الداخلية.ونوّه إلى أن هذا التوجه يجسد المعنى العميق لانضمام جيبوتي إلى توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتي تبنتها البلاد بصورة كاملة، مؤكداً ضرورة أن تظل هذه المبادئ بوصلة لجميع القرارات المتعلقة بهذا المجال.
جيبوتي تطمح إلى أن تصبح قطباً إقليمياً للابتكار الرقمي وأعرب الرئيس جيله عن تطلعه إلى أن تصبح جيبوتي خلال العقد المقبل مركزاً إقليمياً للابتكار الرقمي في منطقة القرن الأفريقي، ومكاناً يستقطب أفضل المواهب في المنطقة للتعلم والبحث وريادة الأعمال.
وأوضح أن الطموح يتمثل كذلك في أن تصبح البلاد فضاءً لتصميم واختبار حلول الذكاء الاصطناعي ضمن بيئة آمنة وأخلاقية ومنضبطة، بما يسمح بتطوير حلول تخدم المنطقة بأسرها وخارجها.
وأكد أن جيبوتي تمتلك الموقع والإرادة، وأن ما تحتاج إليه الآن هو التحلي، بشكل جماعي، بالجرأة والطموح لتحقيق هذا الهدف. دعوة للشباب والباحثين والقطاع الخاص ووجّه رئيس الجمهورية رسالة مباشرة إلى الشباب الجيبوتي، داعياً إياهم إلى عدم الخوف من ثورة الذكاء الاصطناعي، بل إلى اغتنام فرصها والمشاركة في تشكيل مستقبل البلاد.وأشار إلى أن كل سطر من التعليمات البرمجية يكتبه الشباب، وكل مشكلة ينجحون في حلها، يمثل لبنة إضافية في بناء السيادة الرقمية للبلاد، مؤكداً أن الوطن بحاجة إلى شبابه ويضع ثقته فيهم.
كما دعا الباحثين والجامعة إلى مواصلة جهودهم العلمية، مشيراً إلى أن العالم بدأ بالفعل يقدّر أعمال الباحثين الجيبوتيين، ولا سيما أولئك الذين ساهموا في تطوير حضور اللغة الصومالية، التي ظلت لفترة طويلة مهمشة في الفضاء الرقمي العالمي، والذين تم تكريمهم خلال مؤتمر علمي دولي.
وأكد أن الدولة ستواصل دعم البحث العلمي من خلال التمويل، وتوفير البنية التحتية التي تتناسب مع قدرات الباحثين، ومنحهم التقدير الذي يستحقونه. وفي مخاطبته للقطاع الخاص الجيبوتي، ذكر رئيس الجمهورية أن قانون الشركات الناشئة الذي أقرته البلاد وُضع لخدمة رواد الأعمال والمستثمرين، داعياً إياهم إلى الاستثمار والمبادرة وخوض المخاطر المحسوبة.
وأضاف أن الدولة سترافق القطاع الخاص في هذا المسار، مشيراً إلى أن البيئة التنظيمية التجريبية التي أنشأتها تتيح للشركات مساحة لاختبار الأفكار والتكنولوجيات بصورة آمنة. دعوة للمستثمرين والشركاء الدوليين ووجّه رئيس الجمهورية دعوة إلى المستثمرين الدوليين للاستفادة من المزايا التي توفرها جيبوتي، والمتمثلة في الاستقرار والاتصال والطموح، والمساهمة في بناء المحور الرقمي الإقليمي الذي تحتاج إليه منطقة شرق أفريقيا.
كما أعرب عن تقديره للشركاء الدوليين، ومن بينهم اليونسكو، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا»، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وجميع الجهات التي تساند جيبوتي، مؤكداً أن ثقة هؤلاء الشركاء محل تقدير، وأن بلاده ستواصل العمل معهم على أساس الاحترام المتبادل والالتزام المشترك بتطوير ذكاء اصطناعي أخلاقي وشامل.
دعوة إلى الجالية الجيبوتية في الخارج كما وجّه الرئيس جيله رسالة إلى الجالية الجيبوتية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، داعياً أفرادها إلى العودة والاستثمار ونقل خبراتهم ومعارفهم وشبكات علاقاتهم إلى وطنهم.وأكد أن جيبوتي بحاجة إلى معارف أبنائها في الخارج وخبراتهم ومواهبهم، وأن أبواب البلاد مفتوحة أمامهم للمساهمة في مسيرة التنمية وبناء المستقبل الرقمي.
وفي ختام خطابه، أكد رئيس الجمهورية أن الذكاء الاصطناعي لن يكون شيئاً يُفرض على جيبوتي، بل سيكون نتاجاً لما تختار البلاد أن تصنعه منه، مشدداً على أن جيبوتي لن تكتفي بمواجهة هذه الثورة، وإنما ستسهم في تشكيلها وفق قيمها وفي خدمة شعبها.
وأردف أن البلاد، كما نجح الآباء في تحويل موقع جيبوتي إلى ملتقى للعالم، مطالبة اليوم بالعمل معاً لتحويل عقول أبنائها إلى ملتقى للمعرفة. من جانبه، أكد أمين عام الحكومة السيد/ ألمس محمد عبد الله، على أن التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة لم يعد مجرد خيار تقني، بل بات ضرورة استراتيجية تفرضها التحديات الراهنة.
وأشار إلى أن التفكير في الذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزاله في البعد التكنولوجي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليمس أبعاداً أخلاقية، وقانونية، واقتصادية، وأمنية، ودبلوماسية تتطلب تطوير نمط جديد من الحوكمة الرشيدة.
وسلط أمين عام الحكومة الضوء على نتائج التقييم الوطني لمدى جاهزية جيبوتي للذكاء الاصطناعي، وهو التقرير الذي أُعد بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). وأظهر التقييم أن البلاد تمتلك ركائز مؤسسية واستراتيجية واعدة تضعها في طور النشأة، مع الإشارة إلى الحاجة لمواصلة العمل في مجالات جمع البيانات، والتنظيم التشريعي، والتدريب، والبحث العلمي، والشمول الرقمي، وتطوير البنى التحتية الحوسبية.
وأكد الأمين العام للحكومة أن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي التي يجري العمل عليها ستسهم في ترجمة التوصيات إلى برنامج عمل خططي يتسم بالوضوح والعملية، بما يضمن حماية البيانات الشخصية، وترسيخ الأمن السيبراني، وصون السيادة الرقمية.
بدورها، أشارت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالاقتصاد الرقمي والابتكار السيدة صفية محمد علي جادله إلى أهمية منتدى الذكاء الاصطناعي الذي يعد الأول من نوعه في جيبوتي والذي تنظمه الوزارة المكلفة بالاقتصاد الرقمي والابتكار بالتعاون مع الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية وبتمويل من منظمة اليونسكو.
ورحبت الوزيرة بالحضور في هذه الاحتفالية، التي تشكل مرحلة مهمة في بناء جيبوتي الرقمية للمستقبل، وقالت: «نحن مجتمعون اليوم لنستعرض السياسة الوطنية التي تعتزم الحكومة تنفيذها في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك استمراراً لرؤية «جيبوتي 2035» وخطة التنمية الوطنية 2025-2030».
وأعلنت الوزيرة في كلمتها عن ملامح السياسة الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي تأتي استكمالاً لرؤية «جيبوتي 2035» وخطة التنمية الوطنية (2025-2030). واستعرضت الوزيرة تشخيصاً شفافاً لواقع القطاع الرقمي في البلاد، مؤكدة سعيها للتحول إلى مركز رقمي إقليمي يرتكز على بنية تحتية صلبة وسيادة تكنولوجية متكاملة. واستناداً إلى تقييم الجاهزية للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع منظمة «اليونسكو» واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا»، أوضحت الوزيرة أن جيبوتي تصنف حالياً ضمن المرحلة «الناشئة»، حيث سجلت 24.5 درجة من 100 في مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي، و31.5 في الأمن السيبراني، و61.6 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات.
ورغم هذه الأرقام، شددت الوزيرة على وجود قاعدة قوية تسمح بالتقدم، تتمثل في الكابلات البحرية الممتدة ومراكز البيانات الحديثة والموقع الجيوستراتيجي المميز عند مفترق طرق التجارة العالمية.
وأكدت الوزيرة أن الاستراتيجية الحكومية تستهدف ترسيخ مكانة البلاد كنقطة التقاء رقمية في القرن الأفريقي، وتطوير القدرات الوطنية للحوسبة السحابية السيادية والحوسبة عالية الأداء.
وفي إطار العمل على تقليص الفجوة الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية، أشارت الوزيرة إلى أن نسبة الوصول إلى الإنترنت تصل حالياً إلى 65% من السكان وفق إحصاءات البنك الدولي، مؤكدة الضرورة الماسة لتسريع وتيرة الربط في الأقاليم الداخلية لضمان العدالة الرقمية.
وفي إطار بناء الثقة الرقمية، أكدت الوزيرة أنه تم إنشاء الوكالة الوطنية للأمن السيبراني واعتمدت استراتيجيتها الوطنية (2024-2030) لحماية البنى التحتية الحيوية كالموانئ، وقطاع الطاقة، والمستشفيات من التهديدات السيبرانية المتزايدة والمترافقة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وعلى صعيد الحوكمة، أوضحت الوزيرة أن القانون الرقمي الصادر عام 2023 والمحدث في 2025 يوفر إطاراً لحماية البيانات الشخصية عبر اللجنة الوطنية المختصة، منوهة إلى أن الخطط المقبلة تتجه نحو إطلاق استراتيجية وطنية للبيانات المفتوحة، وتوحيد معايير التبادل بين الإدارات الحكومية، لوضع إطار حوكمة مخصص لتقنيات الذكاء الاصطناعي.