يشارك رئيس الجمهورية السيد/ إسماعيل عمر جيله في أعمال القمة الدولية الأولى حول الفضاء، التي تستضيفها العاصمة الفرنسية باريس يومي 9 و10 سبتمبر الجاري، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب عدد من رؤساء الدول والحكومات والخبراء وممثلي الأوساط الاقتصادية والمجتمع المدني من أكثر من 120 دولة.

وتشكل هذه القمة منصة دولية للحوار والتشاور حول القضايا المرتبطة باستكشاف الفضاء واستخداماته المتعددة، وآفاقه في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية، إلى جانب بحث سبل ضمان الاستخدام المسؤول والسلمي والمستدام للفضاء باعتباره موردًا مشتركًا للبشرية.

وكان رئيس الجمهورية قد التقى يوم أمس الأربعاء، في قصر الإليزيه بباريس، نظيره الفرنسي السيد/ إيمانويل ماكرون، وذلك على هامش مشاركته في القمة الدولية للفضاء، المنعقدة في العاصمة الفرنسية يومي 9 و10 سبتمبر الجاري.

 واستعرض الرئيسان خلال اللقاء العلاقات الثنائية والتعاون القائم بين البلدين، إلى جانب التباحث حول الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

وفي هذا الصدد، أشاد الرئيسان بعمق الشراكة التاريخية التي تجمع جيبوتي وفرنسا، والتي تطال مجالات التعاون الممتدة في قطاعات الدفاع، والأمن، والتعليم، والبحث العلمي، والتدريب، والتنمية الاقتصادية.

 وفي هذا الإطار، تناولت محادثات الجانبين تنفيذ معاهدة التعاون في مجال الدفاع بين جمهورية جيبوتي والجمهورية الفرنسية، الموقعة في باريس في 24 يوليو 2024، والتي شكلت محوراً رئيسياً في مباحثاتهما.

حيث استعرضا أبرز بنود المعاهدة، وأوجه الشراكة والتعاون بين البلدين وفق هذه المعاهدة. وعلى صعيد التطورات الإقليمية، بحث الرئيسان جيله وماكرون مستجدات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من تحديات أمنية تتجاوز تداعياتها نطاقها الإقليمي.

وأكدا على الحاجة المُلحة للتنسيق الوثيق بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، لضمان استقرار هذه المنطقة الاستراتيجية وأمن الطرق البحرية الدولية.

واختُتم اللقاء بتأكيد البلدين على مواصلة الحوار رفيع المستوى وتطوير التعاون المشترك لمواجهة المستجدات الإقليمية والدولية.

وحضر المباحثات من الجانب الجيبوتي وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد/ عبد القادر حسين عمر، ووزير التعليم العالي والبحث الدكتور/ نبيل محمد أحمد، وسفير جيبوتي لدى فرنسا السيد/ عايد مسعد يحيى، فيما شارك من الجانب الفرنسي، سفير باريس لدى جيبوتي السيد/ جيروم بريسون إلى جانب عدد من المسؤولين والمستشارين الرئاسيين.

وفي الكلمة التي سيلقيها اليوم أمام المشاركين في القمة، من المقرر أن يؤكد رئيس الجمهورية أن الفضاء لم يعد مجالًا بعيد المنال أو مجرد طموح علمي، بل أصبح قطاعًا استراتيجيًا يرتبط بصورة مباشرة بالتنمية والسيادة التكنولوجية وقدرة الدول على مواجهة التحديات البيئية والمناخية.

 ومن المنتظر أن يجدد الرئيس جيله التأكيد على رؤية جيبوتي القائمة على الاستثمار في علوم وتكنولوجيا الفضاء، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن «الفضاء تراث علمي يجب أن تسهم فوائده في تقدم شعبنا والبشرية جمعاء».

وسيسلط رئيس الجمهورية الضوء على المسار الذي قطعته جيبوتي في هذا المجال منذ إطلاق برنامجها الفضائي الوطني عام 2020، والذي يقوم على هدفين أساسيين يتمثلان في اكتساب تقنيات الفضاء وإتقانها تدريجيًا من خلال نقل المهارات، وتطوير تطبيقات عملية تستجيب لاحتياجات السكان والاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، سيستعرض الرئيس تجربة التعاون مع جامعة مونبلييه ومركزها الفضائي، والتي أتاحت تدريب عشرة شبان جيبوتيين في مجال الأنظمة الفضائية، قبل مشاركتهم في تصميم وتطوير أولى المهمات الفضائية للبلاد.

 كما سيؤكد أن التجربة الجيبوتية في هذا المجال لا تقتصر على امتلاك الأقمار الصناعية، وإنما تركز بصورة أساسية على تكوين المهندسين، وتنمية الكفاءات الوطنية، وبناء خبرة جيبوتية متدرجة في مجال الفضاء.

ومن أبرز محطات هذا المسار إطلاق القمرين الصناعيين النانويينDJIBOUTI-1A وDJIBOUTI-1B، حيث مثل وضع القمر الأول في المدار في نوفمبر 2023، ثم القمر الثاني في ديسمبر 2024، مرحلة تاريخية في مسيرة البرنامج الفضائي الوطني، وأسهم في تعزيز القدرات العلمية والتكنولوجية للبلاد.

وفي إطار المرحلة الجديدة من هذا المسار، سيتطرق رئيس الجمهورية إلى العمل الجاري، بدعم من الجانب الفرنسي، لإنشاء مركز وطني للمعلومات الجغرافية المكانية، بهدف تطوير القدرات الوطنية في مجال استغلال بيانات رصد الأرض وتوظيفها في خدمة التنمية.

 وسيشدد الرئيس جيله على الأهمية الاستراتيجية لهذه التقنيات بالنسبة إلى جيبوتي، في ظل ما تواجهه من تحديات مرتبطة بالتغير المناخي وندرة الموارد، لما توفره تقنيات رصد الأرض من إمكانات لمتابعة الموارد المائية وإدارتها، ورصد الجفاف والفيضانات، وقياس آثار التغير المناخي، وحماية البيئة، وتحسين التخطيط الحضري وتطوير البنية التحتية.

كما سيبرز في كلمته أهمية تعزيز القدرات العلمية الوطنية، في إطار المبادرات التي أطلقتها جيبوتي لمواجهة التحديات المناخية، ومن بينها مشروع إنشاء مرصد إقليمي لأبحاث المناخ، وتحالف الدكتوراه للتكيف مع التغير المناخي، بما يسهم في دعم القدرات العلمية الأفريقية وتكوين جيل جديد من الباحثين.

وفي الجانب المتعلق بالتعاون الدولي، سيؤكد رئيس الجمهورية أن التجربة الجيبوتية أثبتت أهمية الشراكات التي تقوم على نقل المعرفة والمهارات وبناء القدرات الوطنية تدريجيًا، معتبرًا أن التعاون الدولي الفعال ينبغي أن يتيح للدول تطوير كفاءاتها الخاصة وتعزيز استقلاليتها العلمية والتكنولوجية.

كما سيجدد التأكيد على أن استراتيجية جيبوتي تقوم على تعاون دولي قوي ومتوازن ومفيد لجميع الأطراف، بما يتيح للدول النامية، ولا سيما الدول الأفريقية، تعزيز حضورها في القطاعات العلمية والتكنولوجية التي يتزايد دورها في مسارات التنمية.

وفي هذا الإطار، سيسلط الرئيس جيله الضوء على ضرورة تعزيز مشاركة أفريقيا في التنمية الفضائية العالمية، مؤكدًا أن مستقبل القارة يرتبط بصورة وثيقة بالعلم والابتكار وإتقان التقنيات الحديثة، وأن مشاركتها الفاعلة في هذا المجال تمثل مسؤولية مشتركة بين الدول الأفريقية وشركائها الدوليين.

كما سيثير مسألة الموارد الفضائية المحدودة، ولا سيما طيف الترددات والموارد المدارية، في ظل التوسع المتسارع في إطلاق الأقمار الصناعية وإنشاء مجموعات فضائية جديدة، مشددًا على ضرورة ضمان تمثيل مصالح أفريقيا وحقوقها المشروعة في الأطر الدولية المعنية بحوكمة هذه الموارد واستخدامها.

 وفي هذا الصدد، سيؤكد رئيس الجمهورية أن «أفريقيا لا تطالب بامتيازات، بل تطالب فقط بالحفاظ على حقوقها المشروعة لمنع وقوع مظالم مستقبلية».

ومن المنتظر أن يجدد الرئيس جيله، في ختام كلمته، التزام جيبوتي بمواصلة تطوير قطاع الفضاء بالتعاون مع شركائها، في إطار يقوم على تقاسم المعرفة ونقل المهارات وتعزيز القدرات الوطنية، بما يربط بين السيادة التكنولوجية والتنمية العلمية وتكوين الشباب والابتكار والاستجابة للتحديات البيئية والمناخية.

ويرافق رئيس الجمهورية في أعمال القمة وفد يضم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد/ عبد القادر حسين عمر، ووزير التعليم العالي والبحث، الدكتور/ نبيل محمد أحمد، وسفير جيبوتي لدى فرنسا، السيد/ عايد مسعد يحيى.

 وتكتسب مشاركة جيبوتي في هذه القمة أهمية خاصة، بالنظر إلى المسار الذي بدأته البلاد خلال السنوات الأخيرة لتطوير قدراتها في مجال الفضاء وتوظيف تقنياته وتطبيقاته في خدمة التنمية الوطنية، وتعزيز حضورها في النقاش الدولي حول مستقبل الفضاء واستخداماته السلمية والمستدامة.