افتُتحت يوم الخميس الماضي أعمال الدورة الاعتيادية الثانية للجمعية الوطنية لعام 2026، والمخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية لعام 2027، برئاسة رئيس الجمعية الوطنية السيد/ دليتا محمد دليتا، وبحضور رئيس الوزراء السيد/ عبد القادر كامل محمد، وأعضاء الحكومة، وأعضاء الجمعية الوطنية، إلى جانب ممثلي السلك الدبلوماسي والمنظمات الدولية والهيئات الدستورية.
وفي كلمة ألقاها بهذه المناسبة، استعرض رئيس الوزراء الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية والمالية للحكومة، مؤكداً أن مشروع ميزانية عام 2027 أُعد في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بارتفاع مستوى المخاطر، الأمر الذي دفع الحكومة إلى اعتماد تقديرات حذرة وواقعية، مع إعطاء الأولوية لضبط المالية العامة، وتعزيز الشفافية، وتحسين كفاءة الإنفاق.
وتأتي الدورة البرلمانية الجديدة في أعقاب الانتخابات الرئاسية وتجديد الثقة في رئيس الجمهورية، وفي سياق حكومي جديد يركز على تسريع تنفيذ الأولويات الوطنية، وتحويل التوجهات السياسية إلى برامج قابلة للقياس ونتائج ملموسة.
وأكد رئيس الوزراء أن الحكومة تتجه نحو اعتماد نهج جديد في الإدارة يقوم على الفعالية والشفافية والمساءلة وتحقيق النتائج، مشيراً إلى أن العمل الحكومي جرى تنظيمه حول أربعة محاور استراتيجية رئيسية، تتمثل في النمو والتنويع الاقتصادي، ورأس المال البشري والتماسك الاجتماعي، والحوكمة والاستمرارية والمساءلة، والتحول البيئي والمرونة المناخية.
كما أعلن عن إنشاء خلية مهام «Task Force» لمعالجة القضايا قصيرة الأجل التي تتطلب استجابة حكومية سريعة، مؤكداً أن تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية سيكون أحد العناصر الأساسية في المرحلة المقبلة.
ميزانية 2027: تقديرات حذرة وفائض محدود وأوضح رئيس الوزراء أن مشروع ميزانية عام 2027 يستند إلى توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7%، مقابل 7.4% وفق قانون المالية التعديلي لعام 2026، مع استمرار الضغوط التضخمية في ظل الظروف الاقتصادية العالمية.
وبحسب المعطيات التي عرضها، تبلغ الإيرادات الإجمالية المتوقعة 161.3 مليار فرنك جيبوتي، مقابل نفقات إجمالية قدرها 160.5 مليار فرنك جيبوتي، بما يحقق فائضاً محدوداً يقل عن مليار فرنك جيبوتي.
وتُقدّر الإيرادات الداخلية بنحو 148.4 مليار فرنك جيبوتي، بزيادة تقارب 1.6% مقارنة بإيرادات قانون المالية التعديلي لعام 2026.
كما يُتوقع أن تبلغ الإيرادات الضريبية نحو 103.8 مليار فرنك جيبوتي، بزيادة تقارب 14%، في حين يُتوقع تراجع الإيرادات غير الضريبية من 54.7 مليار فرنك في عام 2026 إلى 44.6 مليار فرنك في عام 2027. أما المنح، فمن المتوقع أن تظل شبه مستقرة عند نحو 12.9 مليار فرنك جيبوتي، مقابل 12.8 وعزا رئيس الوزراء الزيادة المتوقعة في الإيرادات الضريبية، بشكل خاص، إلى الجهود المبذولة لتحسين التحصيل الضريبي.
تراجع تدريجي في نسبة الدين العام وفي إطار سياسة ضبط المالية العامة، أشار رئيس الوزراء إلى استمرار المسار التنازلي لنسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، موضحاً أنها تراجعت من 64.4% في عام 2025 إلى 59.6% في عام 2026، مع توقع انخفاضها إلى 54.6% في عام 2027، و47.3% في عام 2028، و37.9% في عام 2029.
وأوضح أن هذا المسار يعكس توجه الحكومة نحو الحفاظ على التوازنات المالية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية، وتحسين مناخ الاستثمار.
وأكد أن إعداد الميزانيات المقبلة، ولا سيما لعامي 2028 و2029، سيستند إلى المبدأ نفسه القائم على التوازن المالي، مع إدماج الالتزامات المستقبلية في عملية التخطيط منذ الآن.
زيادة ملحوظة في النفقات الرأسمالية وفي المقابل، تتضمن ميزانية 2027 زيادة ملحوظة في النفقات الرأسمالية، التي سترتفع إلى 54.7 مليار فرنك جيبوتي، مقابل 37.7 ملياراً في عام 2026، بزيادة تقارب 45%.
وسيتم تمويل هذه النفقات من موارد خارجية بقيمة 25.9 مليار فرنك، وموارد داخلية تبلغ 28.8 مليار فرنك جيبوتي.
وأكد رئيس الوزراء أن الحكومة ستعزز آليات اختيار المشاريع الاستثمارية، بحيث ترتبط الموارد المخصصة لكل مشروع بأهداف ومؤشرات قابلة للقياس، بما يتيح متابعة النتائج وتقييم مدى تحقيقها.
البنية التحتية وتعزيز موقع جيبوتي كمركز إقليمي وتطرق رئيس الوزراء إلى عدد من المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز مكانة جيبوتي كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية والتجارة والطاقة.
وأشار في هذا السياق إلى مشروع إنشاء مطار جديد في منطقة بعيدلي (Biidley) بطاقة استيعابية كبيرة، بهدف تعزيز قدرات البلاد في مجال النقل الجوي ودعم منظومة النقل متعدد الوسائط التي تشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية.
كما تطرق إلى مشروع البنية التحتية للطاقة في دميرجوك، الذي يشمل منشأة لتخزين المنتجات النفطية وخط أنابيب بطول 120 كيلومتراً يربطها بإثيوبيا.
واعتبر رئيس الوزراء أن هذه المشاريع ستسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين جيبوتي والدول المجاورة، وترسيخ موقع البلاد كبوابة إقليمية للتجارة والطاقة. تنويع الاقتصاد ودعم القطاع الخاص وأكد رئيس الوزراء أن الحكومة تعمل على توسيع قاعدة النمو الاقتصادي وتنويع مصادره، وعدم الاكتفاء بالقطاعات التقليدية، مشيراً إلى عدد من القطاعات ذات الأولوية، من بينها الصناعات الخفيفة، والاقتصاد الرقمي، والسياحة، وصيد الأسماك، والطاقة المتجددة.
كما شدد على أهمية دعم ريادة الأعمال لدى الشباب والنساء وتعزيز الاستثمار الخاص.
ووفق المعطيات المقدمة، من المتوقع أن يبلغ الاستثمار في رأس المال الثابت 22.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2027، مقابل 22.4% في عام 2026، مع استمرار الاستثمار الخاص باعتباره المكوّن الرئيسي، بنسبة تقارب 17% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 5.1% للاستثمار العام.
وأكد أن الحكومة ستواصل العمل على تحسين البنية التحتية، وتعزيز الأمن القانوني، وتسريع الرقمنة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما يسهم في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار الخاص.
إصلاح المالية العامة ورقمنة الإدارة وشكل إصلاح إدارة المالية العامة محوراً أساسياً في كلمة رئيس الوزراء، الذي أعلن مواصلة تحديث الإدارة الميزانية، وتحسين جودة التحليل المالي بما يساعد الحكومة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفعالية.
كما ستتواصل التجربة التجريبية لتطبيق ميزانية البرامج في عدد من الوزارات، تمهيداً لتوسيع نطاقها، بما يسمح بتحديد المسؤوليات وربط الاعتمادات المالية بالنتائج المحققة.
وأشار كذلك إلى تعزيز شفافية الميزانية من خلال اعتماد تصنيف مالي مستقر ومحدّث وموثق، وإعداد سجل لإثبات تبويب العمليات المالية، إلى جانب مواصلة تحديث المحاسبة العمومية عبر تطبيق المخطط المحاسبي الجديد للدولة.
ومن المقرر أيضاً تحديث سجلات ممتلكات الدولة ومطابقة بيانات الجرد الفعلي مع البيانات المحاسبية، إلى جانب تعزيز إحصاءات المالية العامة من خلال تطبيق دليل إحصاءات مالية الحكومة لعام 2014.
وفي الاتجاه نفسه، ستتواصل رقمنة إدارة المالية العامة، مع الاستغناء التدريجي عن الوثائق الورقية في إعداد الميزانية وتنفيذ النفقات وتحصيل الإيرادات. الشباب ورأس المال البشري في صدارة الأولويات وفي الجانب الاجتماعي، أكد رئيس الوزراء أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل إحدى الأولويات الأساسية للحكومة، مع التركيز على التعليم والتكوين المهني والتعليم التقني والصحة.
كما شدد على أهمية إدماج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وتعزيز تكافؤ الفرص.
وأكد أن التشغيل، ولا سيما تشغيل الشباب، سيكون في صميم العمل الحكومي، مشيراً إلى أن الحكومة تراهن كذلك على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لخلق فرص جديدة أمام الشباب.
وفي هذا الإطار، أشار إلى رقمنة الإجراءات الإدارية، وتطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، وإنشاء منصات رقمية تنافسية، والاستفادة من البيانات العامة، باعتبارها مجالات قادرة على فتح آفاق جديدة للتشغيل والابتكار.
كما أبرز أهمية التعليم والثقافة والرياضة في تنمية قدرات الشباب وتعزيز اندماجهم في المجتمع. مواجهة المخاطر الخارجية وتعزيز القدرة على الصمود وتناول رئيس الوزراء كذلك التحديات التي يفرضها الوضع الاقتصادي والأمني الدولي، مشيراً إلى أن الاضطرابات التي تشهدها حركة التجارة الدولية، إلى جانب الارتفاع المحتمل في تكاليف التمويل العالمي، قد تفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الوطني.
وأكد أن الحكومة ستواصل العمل على حماية التوازنات الاقتصادية والمالية، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية. كما شدد على أهمية حماية البنية التحتية الحيوية والاستراتيجية، وتعزيز الأمن السيبراني في ظل تسارع التحول الرقمي، وحماية البيانات الوطنية من المخاطر الرقمية.
وفي الشأن الإنساني، جدد رئيس الوزراء التأكيد على مكانة جيبوتي كبلد للسلام والاستقبال والتضامن، مشيراً إلى استقبال البلاد لأكثر من 3 آلاف نازح قادمين من اليمن، وما يترتب على ذلك من أعباء إنسانية وصحية وأمنية.
نحو إدارة حكومية قائمة على النتائج وفي ختام كلمته، أكد رئيس الوزراء أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في أساليب الإدارة الحكومية، من خلال اعتماد مؤشرات واضحة لقياس الأداء، وربط التمويل بالأهداف والنتائج.
وشدد على أن الإصلاحات الجارية لا تقتصر على وزارة الميزانية، بل ستتوسع خلال الأشهر المقبلة لتشمل مختلف مكونات القطاع العام والمؤسسات العمومية، التي ستخضع بدورها لمبادئ الشفافية والمساءلة والإدارة القائمة على النتائج.
وبذلك، تفتح الدورة الاعتيادية الثانية للجمعية الوطنية لعام 2026 مرحلة جديدة من العمل التشريعي والرقابي، يتصدرها بحث مشروع قانون المالية لعام 2027، في وقت تركز فيه الحكومة على ضبط المالية العامة، وتسريع الإصلاحات، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار في رأس المال البشري.
رئيس الجمعية الوطنية: المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة العمل والتنسيق ومن جانبه، أكد رئيس الجمعية الوطنية السيد/ دليتا محمد دليتا أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة العمل والتنسيق لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وتعزيز التضامن الوطني والاستجابة لاحتياجات المواطنين والفئات المتضررة من الأزمات.
وأوضح أن افتتاح الدورة الثانية يأتي بعد العطلة البرلمانية الصيفية، التي شهدت، بحسب قوله، نشاطاً مكثفاً للنواب من خلال الزيارات واللقاءات الميدانية مع المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، ومناقشة ما تحقق من إنجازات وما لا يزال يتطلب مزيداً من العمل.
وأشار رئيس الجمعية الوطنية إلى أن الفترة الماضية شهدت أيضاً نشاطاً سياسياً، من أبرز محطاته الخلوة السياسية التي انعقدت في مدينة علي صبيح خلال سبتمبر الماضي بمشاركة أحزاب الائتلاف، وبمبادرة من رئيس الجمهورية السيد/ إسماعيل عمر جيله.
وأوضح أن الخلوة شكلت فرصة لمناقشة عدد من القضايا الوطنية والدولية، وتعزيز التوافق حول قضايا السلام والوحدة والتنمية الوطنية، فضلاً عن بحث التحديات المرتبطة بالمشاريع الكبرى الجاري تنفيذها في البلاد.
مشروع قانون المالية في صدارة العمل التشريعي وفي الجانب التشريعي، أكد رئيس الجمعية الوطنية أن مشروع قانون المالية لعام 2027 سيكون من أبرز الملفات المطروحة خلال الدورة الحالية، باعتبار أن مناقشة مشروع قانون المالية تمثل استحقاقاً أساسياً ضمن الدورة البرلمانية لشهر أكتوبر من كل عام.
وأوضح أن الموازنة العامة تشكل الأداة الرئيسية لتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، مشيراً إلى أن مناقشتها داخل البرلمان تتيح تحديد الأولويات والبرامج العامة، ومتابعة أداء العمل الحكومي، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
كما شدد على ضرورة مراعاة التطورات والأزمات الطارئة عند تنفيذ السياسات والبرامج الحكومية، بما يضمن قدرة المؤسسات على الاستجابة للمستجدات والاحتياجات الجديدة.
التضامن والاستجابة الإنسانية وفي الجانب الإنساني، تطرق رئيس الجمعية الوطنية إلى أوضاع اللاجئين والتحديات المرتبطة بتدفقات النازحين، مشيداً بجهود المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية والإنسانية التي تساهم في عمليات الاستقبال والإغاثة.
ووجّه التحية إلى الاتحاد الوطني للنساء الجيبوتيات، والقوات المسلحة الجيبوتية، والمنظمة الدولية للهجرة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، والهلال الأحمر الجيبوتي، واليونيسف، إلى جانب مختلف الجهات العاملة في المجال الإنساني.
كما أشاد بالعاملين والمتطوعين الذين يساهمون في استقبال اللاجئين وتقديم المساعدة لهم، واصفاً إياهم بـ«أبطال الظل»، وداعياً إلى مواصلة دعم جهود التضامن والاستجابة الإنسانية.
وتناول السيد/ دليتا محمد دليتا كذلك الأزمة الإنسانية في اليمن، معرباً عن تضامنه مع الشعب اليمني الشقيق، ومشيراً إلى وصول أشخاص فارين من تداعيات الحرب إلى السواحل الجيبوتية، ولا سيما منطقة أوبوك.
كما تطرق إلى الوضع في فلسطين، معبراً عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني الشقيق، وداعياً المجتمع الدولي إلى تكثيف تحركه تجاه الأزمة الإنسانية والمعاناة التي يتعرض لها السكان.
وفي ختام كلمته، دعا رئيس الجمعية الوطنية إلى مواصلة العمل المشترك والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، مؤكداً أهمية أن تركز الدورة البرلمانية الجديدة على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية ، ومتابعة تنفيذ السياسات والبرامج الحكومية بما يخدم المصلحة العامة.ملياراً في العام السابق.